تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بـ) الأساس الاجتماعي للأمة الإسلامية

إذا كانت العلاقات الإنسانية هي التي تؤسس المجتمع، فإنه لا يتكون على الحقيقة بالأعداد الكبيرة من الأفراد مهما بلغوا، إلا في ظل شبكة العلاقات المعقدة بينهم، والتي تمثل شرط بناء المجتمع وحقيقته في آن. وبناء على هذا الأساس مثلت جملة الأحكام الشرعية المتصلة بالجانب الاجتماعي والمؤسسة لاستمرار ودوام الصلات بين الفرد المسلم وبين غيره من أفراد المجتمع الإسلامي الذي يوحده الإيمان المشترك بالمقومات الأساسية للإسلام (وحدة المرجعية) سواء اتخذ هذا الإيمان بعدا عقديا ثقافيا بالنسبة للمسلم أو بعدا حضاريا بالنسبة لغير المسلم داخل المجتمع الإسلامي. وعلى هذا كانت حقوق المسلم على المسلم من الاتساع، بحيث تمتد إلى كافة صور الحياة الاجتماعية، ومن ثم فإن فرص بقاء الصلة بين أفراد المجتمع الإسلامي أكبر من أي فرص أخرى في ظل قيم مخالفة. ذلك أن طبيعة الالتزام الديني في الإسلام نفسه تفرض دوام اللقاء مما يسمح بتوطيد الصلات: "الصلوات الخمس في المسجد، السلام آخر كل صلاة، على مستوى الجوار؛ الاجتماع الأسبوعي في صلاة الجمعة على مستوى الحي؛ الاجتماعان السنويان في صلاة العيدين بالمصلى على مستوى المدينة أو القرية؛ اجتماع الحج العالمي الذي يجب على القادر حضوره ولو مرة واحدة في حياته على مستوى الأمة الإسلامية."

وكلما ضاقت الدائرة الاجتماعية إلا وكان الحرص على توطيد العلاقة أكبر. فالبناء الاجتماعي في الإسلام مؤسس على قواعد الرحم والقرابة والجوار. وهي العلاقات القاعدية في أي بناء اجتماعي مترابط وسليم، "الجيران ثلاثة، جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق. فالجار الذي له ثلاثة حقوق، الجار المسلم ذو الرحم، فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم. وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام. وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك" الحديث. (رواه البزار وأبو نعيم)

هذا إلى جانب ما هو ملقى على المجتمع من مسؤوليات الإصلاح بين المتخاصمين في شتى المستويات، كما هو الحال مثلا في "الإدارة الاجتماعية" للخلاف الزوجي عبر الحكمين ?وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا? (النساء: 35). وتأسيسا على ما سبق من اتساع مفهوم الانتماء للأمة الإسلامية ليشمل معنى "الانتماء الحضاري" الذي تؤسسه الحياة والقيم الاجتماعية المشتركة، ووحدة التجربة التاريخية للأفراد داخل مجتمع واحد حتى وإن كان من بينهم أقلية لا تدين بدينهم، فإن انتماءها للأمة يكون بصلة الثقافة والحضارة الإسلامية التي مثلت إطارا للحياة المشتركة بينها وبين الأغلبية المسلمة، ولئلا تستدرجنا الأمثلة التاريخية المتراكمة لسيل من المواقف التي جسدت الأساس الاجتماعي المتين لحياة هؤلاء جميعا، ضمن إطار الأمة الجامع... فإننا نعتصم بالأصل "الثقافي" للحياة الاجتماعية على هذا الصعيد، من خلال ميزان التعامل الإنساني المقرر بجلاء في القرآن الكريم: ?لاَ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ? (الممتحنة:8). ودلالة اللفظين: "تبروهم" (البر: قمة الإحسان في المعاملة) و "تقسطوا إليهم" (القسط: قمة العدل) مؤكدة للمعنى الذي نشأت عنه التجربة العامة في واقع المسلمين، والتي لا تمثل الاستثناءات والشذوذ عن الحالة العامة إلا تأكيدا لأصليتها.

جـ) الأساس الاقتصادي

يرى أكثر المنصفين من مؤرخي الحضارة الإسلامية أنه لو لم تبدع هذه الحضارة سوى نظام "الوقف" كنظام يحقق هدفا مزدوجا يتجلى في الأمن الاقتصادي البعيد المدى لقطاعات معينة في المجتمع من خلال ريع الأوقاف من جهة، وضمان حد أدنى من استقلالية المجتمع، لو لم تبدع الأمة الإسلامية انطلاقا من أصول ثقافتها سوى هذا النظام لكان ذلك كافيا للحديث عن القاعدة الاقتصادية الصلبة في البناء الإسلامي.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ١٢٢