تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن مثل هذه المنطلقات هي في تصورنا المداخل التي على إجاباتها تترتب الحلول المقترحة، بل الأسئلة البديلة، المدعو كل واحد للمساهمة في طرحها، ونعتبر أن هذه الأسئلة ينبغي لها أن تظل الحافز للمعرفة والبحث في خيارات المستقبل المطروحة على أمتنا أي علينا أولا، من موقع الانتماء المبدئي والفعلي والدائم للأمة الإسلامية.

1. أسس بناء الأمة في الإسلام

يقوم مفهوم الأمة الإسلامية على أسس ثلاث لا يتيسر إدراكها إلا بالوقوف عندها، ليس بوصفها القواعد التي يقوم عليها بناء الأمة في مجالي التفكير والتجربة التاريخية فحسب، بل لأن هذه الأسس جزء لا يتجزأ من ماهية الأمة نفسها وعناصر بنائها ماضيا وحاضرا، واستمرارها مستقبلا، وهي:

ا) الأساس الثقافي

وهو الذي يمثل قاعدة بناء الأمة الإسلامية، فانطلاقا منه تتحدد ماهيتها ومرجعيتها وضوابط وحدتها، وهو الذي يبين رسالة الأمة الإسلامية، اعتمادا على مصادر الثقافة الإسلامية الأصيلة التي تحدد العقيدة والشريعة ومنظومة القيم والأخلاق والسلوك. وبالرجوع إلى هذه المصادر ندرك أن الأمة الإسلامية مفهوم أسسه القرآن الكريم ?وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ? (المومنون:52)، وانتقل في السنة النبوية إلى مستوى الواقع الذي يمثل "النموذج التأسيسي". فقد أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم نواة الأمة الإسلامية في مكة من مجموعة الصحابة الذين صدقوا واتبعوا قبل أن يأتي النموذج العملي من خلال "التوثيق الدستوري" في "العهد النبوي أو صحيفة المدينة" والتي جاء فيها: "هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس"، ثم من خلال الأفعال والأقوال النبوية التي أعطت للجماعة المسلمة في المدينة بعد الهجرة سمات الأمة الواحدة المترابطة بروابط العقيدة والتصور ووحدة القيم والرسالة والمشروع الحضاري، والمنفتحة في امتداد لا يحده جنس ولا لون ولا لغة ولا رقعة جغرافية، إلا ما كان من إيمان بمبادئ هذه الأمة والتزام بمرجعيتها المؤسسة على الشريعة، بما يحقق وحدة الإدراك لكل ما يتصل بهذه المرجعية، كأساس لاحترام ما ينبثق عنها من مبادئ وأحكام تمثل نظاما متكاملا للسلوك الفردي والجماعي على السواء. وعلى هذا القدر من الجلاء كانت الإشارة النبوية في "الصحيفة" "...وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم" تأسيسا لوحدة المرجعية والتي تمثل أهم عناصر وحدة الأمة الإسلامية التي "تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وبالقرآن كتابا."...

والواقع أنه لهذا الرابط العقدي الثقافي دوره التأسيسي في هذه الوحدة كما سبق، إلا أن هذا الأساس نفسه لو بقي عقيدة مشتركة في قلوب عدد من الناس أو فكرة في عقولهم تمنحهم أجوبة وجودية على أسئلة الكون والحياة والإنسان، دون أن تمتد إلى الجانب العملي من حياتهم وفق آليات ثابتة ودائمة، أسستها الشريعة لتبقى عناصر الوحدة وقوة الروابط والصلات بين الأفراد داخل الأمة، لربما كان قد وقع بين المسلمين في إطار العقيدة الواحدة من التباعد والجفاء ما لا يمكن تصوره إلا باستحضار سير أمم ومجتمعات أخرى وردت إليها النبوات وتتابع إليها المرسلون حاملين رسالة التوحيد، ثم إذا هي بعد مدة طالت أو قصرت تفقد المبررات المادية العملية للوحدة، وتدب إليها الفرقة وتختلف بل تتقاتل حتى حول الفهوم المتباينة للعقيدة المشتركة. والحال أن الأمة الإسلامية تجد في مصدرها الأصيل ما يمكن أن نسميه "إعادة إنتاج مستمرة" لعناصر التوحد في مستوياتها المختلفة، بدءا من النواة الاجتماعية (الأسرة)، وصولا إلى مستوى الأمة الإسلامية الكبرى، مرورا بمستويات الاجتماع الإنساني كافة. ولعل هذه الآلية الموحدة باستمرار تبدو أجلى ما يكون في الأساسيين الاجتماعي والاقتصادي لبناء الأمة.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ١٢١