تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن نظام الوقف ليس نظاما وحيدا في هذا الباب، ففي الشريعة الإسلامية واجبات وأحكام تعبدية -أي أنها شديدة الارتباط بأصل التدين عند المسلمين- لا تتم إلا عبر الإنفاق المادي، أي المساهمة الاقتصادية في توطيد أسس البناء الاجتماعي. وهنا تأتي أهمية الزكاة بوصفها ركنا إسلاميا وواجبا تعبديا ذا أبعاد اقتصادية واجتماعية، والكفارات عن طريق الإطعام أو العتق في حالات الصيام والأيمان والظهار وغير ذلك.

إن الأساس الاقتصادي في بناء الأمة الإسلامية شديد الارتباط بطبيعة هذه الأمة لجهة قيامه على قاعدة دينية تربط الإنفاق بالجزاء الأخروي حتى لو كان من صميم الواجب، ولما تتسم به منظومته في الأحكام المالية من نزعة اجتماعية ظاهرة، فالمجتمع الإسلامي هو بالضرورة مجال الإنفاق والفرد المسلم وغير المسلم ممن يعيش في مجتمع المسلمين هو من يقطف في النهاية ثمرة هذه المبادئ الاجتماعية التي توجه الفعل المالي والسلوك الاقتصادي في الإسلام.

2. خصائص الأمة الإسلامية

يفرض التأسيس العلمي لمفهوم الأمة الإسلامية تلمس الخصائص المميزة لها، والتي يخلص إليها من خلال الأساس الثقافي في علاقته بعقيدتها وقيمها، ولعلها من التعدد بما يناسب تطور تجربة الأمة التاريخية المؤسسة على هذه العقيدة وتلك القيم، غير أن أهم هذه الخصائص أربعة هي:

أ) أنها أمة التوحيد الخالص: توحيد الألوهية لله تعالى وتوحيد الربوبية الذي يجرد الناس من خصائص الألوهية. وتوحيد الأسماء والصفات الذي يتيح للإنسان التطلع إلى آفاق الجمال في الأخلاق والصفات (صفات الجمال)، فيستزيد منهما دون أن يتجاوز طبيعته البشرية التي تقصر به عن مسؤولية الاتصاف بصفات الجلال. وهذا التوحيد الخالص لا ينفذ إليه إلا بدوام القراءة في كتاب الله المسطور (الوحي) وكتاب الله المنشور (الكون).

بـ) أنها أمة العلم: بدليل أن أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن: "اعمل" ولا "جاهد" بل ولا حتى "اسجد" أو "اعبد"، إنما كان قول الله تعالى: ?اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الَّذِي خَلَقَ? (العلق:1). فالقراءة هي مبتدأ الوحي والمدخل إلى إدراك قيم الأمة وتصورها والوسيلة التي تتجدد بها معاني الدين في نفس الإنسان وعلاقته به (قراءة القرآن). ولأنها كذلك فقد أجمل القرآن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه ?هُو الَّذِي بَعَثَ فِي اْلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ? (الجمعة:2).

جـ) أنها الأمة الحافظة لتراث النبوات: انطلاقا من المعنى القرآني الذي يشير إلى القرآن كمصدق لرصيد الوحي في الرسالات السابقة، ?وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ? (فاطر 31-32).

د) أنها أمة الحوار: فطبيعة المرجعية التي توجهها طبيعة حوارية، ذلك أن القرآن الكريم هو في أحد وجوهه كتاب منهج الحوار بامتياز، ليس لأنه أورد حوارات الأنبياء مع أقوامهم كعناصر عبرة وتدبر فحسب، بل لأنه اتسع لذكر القول المخالف، وهو قول يحكم المنطق القرآني عليه بالتهافت دون أن يكون ذلك مانعا من إيراده على لسان أصحابه قبل الجواب بالدليل الناصع والحجة البالغة، وفي القرآن نماذج كثيرة لهذا الخطاب "سيقول السفهاء...، ويقول الذين كفروا...، إذا جاءك المنافقون قالوا...". ثم إن مبدأ الإقرار لكل بما عنده من الحق كائنا من كان قائله سمة أخرى من سمات الخطاب القرآني. وعلى هذا كانت الأمة الإسلامية مدعوة إلى أن تجادل غيرها بما هو فوق المنهج والأسلوب الحسن (بما هو أحسن) ?اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ? (النحل:125).

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ١٢٣