وقد عزل اللغويون بهذا المنهج الذي سلكوه في مجال الاستشهاد معظم القبائل العربية، وفي ذلك تحجير لواسع، لأن القبائل التي اعتمدوا عليها في الأخذ لا تمثل إلا جزءا ضئيلا من القبائل العربية، وحجتهم في ذلك أن لهجات تلك القبائل غير فصيحة. لأنهم كانوا يجاورون الأمم حولهم، فهم مختلطون بالأجانب، ولكن يقف في سبيلهم أنهم عدوا قريشا أفصح العرب، وأن لهجاتها فصيحة مع اتصالها بكثير من الأمم الأجنبية في رحلاتها التجارية صيفا وشتاء، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم.
ولهذا السبب طعن الدكتور أحمد علم الدين الجندي في هذا المنهج الذي سلكه اللغويون في الاحتجاج بلغات العرب، وأضاف إلى ذلك سببين آخرين:
أحدهما: أن لغات هذه القبائل التي رفض الرواة الأخذ عنها موجودة في القرآن الكريم، ومثل بعدد من اللغات، منها لغة غسان، وأزد عمان.
ثانيهما: أن بعضا من أئمة العربية قد استشهد بلهجات هذه القبائل، ومنهم ابن مالك حيث اعتمد على لغات لخم وخزاعة وقضاعة.
وليس معنى هذا التقليل من جهود أولئك العلماء الذين تكبدوا المصاعب، وعرضوا أنفسهم للمخاطر وهم يشافهون الأعراب الفصحاء في بواديهم النائية، ولكن سلامة المنهج كانت تقتضي منهم أن يأخذوا من جميع القبائل العربية، لا سيما تلك التي تمثلت لغاتها في القراءات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العرب شعرا ونثرا، ثم يعرضوا جميع ما يأخذونه للموازنة والاختيار والتقعيد، ولو أنهم فعلوا ذلك لأفادوا العربية إفادة كبيرة، وسلموا من الوقوع في محاذير لم يقصدوها، جرها عليهم ذلك المنهج الضيق، ومن ذلك طعنهم في بعض القراءات القرآنية التي تمثل لهجات عربية لم يعتدوا بها.
المبحث الثاني: شواهد من لغاتهم: