ولهذا وجب الحذر في الأحكام بموت الألفاظ، والتسليم بأن الإلمام بكل الممات في اللغة غاية لا يمكن الوصول إليها، فثمة ما أميت قديما من العربية القديمة؛ كالثمودية والصفوية واللحيانية من العربية الشمالية، والسبئية والمعينية والقتبانية والحميرية، من العربية الجنوبية، وهي مما يسمى ((العربية البائدة)) أو عربية النقوش التي بادت قبل الإسلام بما فيها من ألفاظ وظواهر لا نكاد نعرف منها إلا القليل.
وللمات في اللغة وجهان رئيسان:
الأول: موت الألفاظ، وهو موضوع هذا البحث.
الثاني: موت المعاني، أي أن يموت المعنى ويبقى اللفظ لتطور دلالته وانتقالها إلى معنى آخر، كالألفاظ الإسلامية التي تركت معانيها القديمة مثل: الصلاة، والزكاة، والصوم، والكفر، وما أشبه هذا، وهو كثير، ولا يدخل في هذا البحث.
وقد دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع ((موت الألفاظ في العربية)) أمور، من أهمها:
1- أهمية البحث في الممات، لكونه أحد الظواهر اللغوية التي تحتاج إلى درس، يفصل فيها ويكشف عن مخبوئها ويبحث في أسبابها.
2- دور الممات في نمو اللغة وإثرائها عن طريق إحيائه واستعماله، كما سيأتي بيانه في الباب الأخير من هذا البحث.
3- دوره في وصل الحلقات المفقودة في التطور اللغوي والكشف عن تاريخ العربية، وإسهامه في التعرف على أحوال العرب الغابرين، وتفهم شؤون حياتهم الاجتماعية، فهو لا يقل في قيمته العلمية عن القطع الأثرية التي يعنى بها علماء الحفريات والآثار.