بما فيه وأقام حدود الله كما أمر ، لم يزد عن القريب لقرابته ، ولم يخف عن البعيد لبعده . ثم قال : والله لقد رأيت عمر وقد أقام الحد على ولده فقتله فيه . ثم بكى وبكى الناس من حوله وقلنا : يا ابن عم رسول الله إن رأيت أن تحدثنا كيف أقام عمر على ولده الحد . فقال : والله لقد أذكرتموني شيئا كنت له ناسيا . فقلت : قسمنا عليك بحق المصطفى أما حدثتنا . فقال : معاشر الناس ، كنت ذات يوم في مسجد رسول الله وعمر بن الخطاب جالس والناس حوله يعظهم ويحكم فيما بينهم ، فإذا نحن بجارية قد أقبلت من باب المسجد ، فجعلت تتخطى رقاب المهاجرين والأنصار حتى وقفت بإزاء عمر فقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال عمر : وعليك السلام يا أمة الله ، هل من حاجة ؟ فقالت : نعم أعظم الحوائج إليك ، خذ ولدك هذا مني فأنت أحق به مني . ثم رفعت القناع فإذا على يدها طفل . فلما نظر إليه عمر قال : يا أمة الله أسفري عن وجهك فأسفرت . فأطرق عمر وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، يا هذه أنا لا أعرفك ، فكيف يكون هذا ولدي ؟ فبكت الجارية حتى بلت خمارها بالدموع ، ثم قالت : يا أمير المؤمنين إن لم يكن ولدك من ظهرك فهو ولد ولدك . قال : أي أولادي ؟ قالت : أبو شحمة . قال : أبحلال أم حرام ؟ قالت : من قبلي بحلال ومن جهته بحرام قال عمر : وكيف ذاك ؟ قالت : يا أمير المؤمنين اسمع مقالتي فوالله ما زدت عليك حرفا ولا نقصت . فقال لها : اتقي الله ولا تقولي إلا الصدق . قالت : يا أمير المؤمنين كنت في بعض الأيام مارة في بعض حوائجي إذ مررت بحائط لبني النجار ، فإذا أنا بصائح يصيح من ورائي ، فإذا أنا بولدك أبي شحمة يتمايل سكرا ، وكان قد شرب عند نسيكة اليهودي ، فلما قرب مني تواعدني وتهددني وراودني عن نفسي وجرني إلى الحائط فسقطت وأغمي علي ، فوالله ما أفقت إلا وقد نال مني ما ينال الرجل من امرأته ، فقمت وكتمت أمري عن عمي وجيراني ، فلما تكاملت أيامي وانقضت شهوري وضربني الطلق وأحسست بالولادة خرجت إلى موضع كذا وكذا فوضعت هذا الغلام فهممت بقتله ثم ندمت على ذلك ، فاحكم بحكم الله بيني وبينه . قال ابن عباس : فأمر عمر رضي الله عنه مناديه ينادي . فأقبل الناس يهرعون إلى المسجد ثم قام عمر فقال : يا معشر المهاجرين والأنصار لا تتفرقوا حتى آتيكم بالخبر . ثم خرج من المسجد وأنا معه ، فنظر إلي وقال : يا ابن عباس أسرع معي ، فجعل يسرع حتى قرب منزله فقرع الباب فخرجت جارية كانت تخدمه ، فلما نظرت إلى وجهه وقد غلبه الغضب قالت : ما الذي نزل بك ؟ قال : يا هذه ولدي أبو شحمة ها هنا ؟ قالت : إنه على الطعام ، فدخل وقال له : كل يا بني فيوشك أن يكون آخر زادك من الدنيا . قال : قال ابن عباس : فرأيت الغلام وقد تغير لونه وارتعد ، وسقطت اللقمة من يده . فقال له عمر : يا بني
الموضوعات · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الموضوعاتج ٢ · ص ٤٣٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي