وفي سنة سبعمائة ، وقع على الأبقار بالديار المصرية فناء أتى على أكثرها
بجميع البلاد ، ولم يبق منها إلا النزر اليسير ، حتى أن أثمانها بلغت قيمة الرأس البقر ألف درهم نقرة إلى ما دونها ، وتعطلت دواليب السواق ومعاصر الأقصاب ، واستعمل الناس الخيل والجمال في السواقي . وغلت أسعار القنود ، ووصلت قيمتها إلى مائة دينار العشرة قناطير .
وفي هذه السنة تواترت الأخبار بحركة التتار ، وتواصل الجفال من دمشق وغيرها إلى الديار المصرية لما لحقهم من الذعر من هذا العدو ، وكان إجفالهم في الشتاء ، وقاسوا في الطرقات شدائد عظيمة ، وأرسل النواب بسائر الممالك الإسلامية حريمهم إلى القاهرة . ولما قويت أخبار العدو ، واقتضت المصلحة النفقة في العساكر ، وتحصيل ما يعين على ذلك ، فقرر على أرباب المعايش والتجار والباعة ، وذوى الأنساب بالقاهرة ومصر أموالا بحسب أحوالهم ، وجبي
منها دون المائة ألف دينار . وكان مباشر هذه الجباية الأمير شمس الدين الأعسر الوزير ، والأمير ناصر الدين الشيخي ، والى القاهرة .
ونفق في العساكر المنصورة بكمالها . ولما تواتر الجمال ، وتفرق الناس في الديار المصرية ، ظن الناس أن أسعار الغلة تغلو ، فانحطت أسعار الغلة منذ حضروا إلى أن وصل القمح من سبعة وعشرين درهما الأردب إلى ما دون
العشرين درهما .
وخرجت العساكر في اليوم الرابع من صفر سنة 700 ه ، ووصلوا إلى بدعرش في سادس ربيع الأول . وجرى من لطف الله بعباده أن التتار لما وصلوا إلى حلب ، وقيل كان قازان فيهم ، وقيل لم يكن ، وتوالت الأمطار ، وغلت الأسعار ، وضعفت الدواب لعدم الكلأ ، ولكونها لم تجد بالبلاد مأكلا ، فرجعوا جميعا ، وكفى الله المؤمنين القتال . ولما تحقق عودهم وخلت البلاد منهم ، تراجع المسلمون إلى أوطانهم .
وفي هذه السنة ، جرد الأمير شمس الدين سنقر الأعسر إلى الوجه القبلى التمهيد العربان ، واستخراج ما يلوح من الأموال .
قال المصنف : واقتضى الحال توجهي إلى البلاد المذكورة ، فأذعن غربانها إلى الطاعة ، وقررت عليهم الجنايات وجبيت منهم ، فقاموا بها ولم يتوقفوا بسببها . وكانت جملتها من الدراهم النقرة ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ، ومن الخيول العربية ألف ومائة فرس ، ومن الجمال عدة كثيرة ، ومن الأغنام ما أنا على عشرة ألف رأس .
وفي العشر الأوسط من شهر رجب ، رسمت السلطنة بإلزام أهل
الذمة من النصارى واليهود بالديار المصرية والبلاد الشامية بتغيير زيهم ، ومنع استخدام الدواوين وأرباب الأقلام منهم ، وأن تصبغ عمائم النصارى زرقة ، واليهود صفرا ، وأن يركبوا الحمير خاصة تفلى الأرجل ، والتنفيل أن يثني أحدهم رجله قدامه على الدابة . وأغلقت الكنائس التي لهم بالقاهرة ومصر والجيزية ، وبقيت كنائس الوجه القبلى والوجه البحرى مفتوحة لم تغلق إلى أن دخلت سنة 701 ه، ومضى منها شهور فأغلقوا بعض كنائس البلاد . أما ديارة الرهبان وصوامعهم فلم يتعرض إليها بغلق ولا أذى .
وفي شهر شوال سنة 700 ه ، وصلت مطالعت التواب بالبيرة وعلب بوصول سل من جهة قازان ملك التتار عدتهم خمسة أنفار من جملتهم قاضي الموصل . فجهز إليهم الأمير سيف الدين كراي السلحدار المنصوري اليحضرهم . وكان طلوعهم القلعة ليلة السبت الحادي عشر من ذي القعدة حفية ، وجمع الأمراء جمعا عاما لسماع رسالة القاضي المذكور وهو كمال الدين موسي بن يونس ، وهو من نسب مشهور ، وبيت فضيلة مذكور . وجلس السلطان بالإيوان الكبير الأشرفي بالقلعة ، وأوقد من الشموع ما صير الليل نهارا ، ويل الإيوان فلكا قد تضمن شموسا وأقمارا . وحضر الرسول ، فقبل الأرض ثلاثا ، وأدى رسالته ، وخطب عند افتتاحه الكلام خطبة بديعة النظام ، بسط فيها لسانه ، وأبان بها بيانه ، وذكر سلطانه ، وأحضر كتاب مرسله ، فكان فحواه إخبارأ بإسلامه ، وعتابا لعدم الرغبة في إلمامه ، وأشعارة بأنه راغب في مسالمة الإسلام ، مطالب بالهدية الدالة على حفظ الذمام ، فعلم مضمون