السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري
ولى السلطنة في العشر الأوسط من المحرم سنة 696 ه. والمذكور أولا كان مملوك الملك المنصور نور الدين على ابن الملك المعز ، ولما خلعه الملك المظفر من السلطنة ، نهبت مماليكه ، وتفرقها الأمراء . فأخذ المذكور شخص من المغرية يسمي علاء الدين أيدغدي فرباه ثم باعه للملك المنصور قلاون ، وهو يومئذ أمير في أوائل الأيام الظاهرية . ولم يزل في جملة المماليك المنصورية إلى سلطنة الملك المنصور ، وولاه نيابة السلطنة بدمشق ، واستمر بها إلى أن عزله الملك الأشرف . ولما وصل إلى القلعة ، واستقر في الملك ، أخرج السلطان الملك الناصر من القاعة التي تركه كتبغا فيها ، وأرسله إلى الكرك ليقيم بها صحبة الأمير سيف الدين سلار الصالحي ليوصله ويعود . ثم قبض على الحاج بهادر ، وولي مكانه الأمير سيف الدين برلغي وأمره بدمشق ، وأمر سيف الدين منكوتر مملوكه ، وبعض مماليكه ، ولم يوله في أول الحال أمرأ . وكان يسعى بالأمير شمس الدين قراسنقر وينم عليه طلبا لمنصبه ، وحسدا له على إلمامه به . فأثرت نميمته في نفسه ، واستوحش منه بعد أنسه ، مع ملازمته للسلطان ليلا ونهارا ، وبعد الأمير شمس الدين عنه . فلم تمض له من سلطنته عشرة أشهر حتى قبض عليه ، واعتقله وفوض نيابة السلطنة إلى منكوتر مملوكه ، وخرج عن مواثيقه وعهوده ، وما أسلفه للأمراء من وعوده ، وقبض على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي ، والأمير عز الدين الحموي ، والأمير شمس الدين سنقرجاه الظاهري ، كل ذلك بسعاية منكوتر ووشايته . ومنكوتمر هذا [ كان في نوبة حمص ، أخذه شخص تركاني يسمي عمر فباعه للملك المنصور حسام الدين لاجين ، وهو يومئذ نائب السلطنة بدمشق ، وبقي في خدمته هو وملوك آخر يسمى
اقسنقر ، وهو الذي أخذه منه الملك الأشرف ، وأمره ، وصلب بعد وفاته . وأما منكوتمر فكان شكله دميما ، وفعله ذميما ، ووجهه عابسا ، وخلقه يابسة . وقد ألقى الله مقته في القلوب . ولما ولى نيابة السلطنة استحوذ على عقل مخدومه ، وحجبه عن الخاصة والعامة ، وانفرد بالنهى والأمر ، واستبد بالإعطاء والمنع ، وانتهى أمره إلى أن كان إذا رم مخدومه بمرسوم لم يكن بإشارته ، يعطله ويوقفه ، ولا يعمل به ولا يصرفه ، وإن أقبل على أحد في غيبته ، أو خص إنسانا بهبته ، أبعد ذلك الشخص وذكره وأقصاه وأختره ؛ وأمر بأن تحمل الأموال الديوانية إلى داره ، فكان النضر منها يحمل إليه ، ولا يحمل إلى بيت المال إلا ماهو من الجهات المتعذرة ، والنقدات المستنزره . وفي أيامه اقتضى الحال تحويل السنة الحراجية سنة 696 ه إلى سنة 697 ه ، على عادة ديوان الديار المصرية ، وهو تحويل لفظى بالكلام تنطق به ألسنة الأقلام ، وذلك لما بين السنة الشمسية والأشهر الهلالية من التفاوت في الأيام .
وفي أيامه جرى الحديث في روك الديار المصرية ، وتغيير الإقطاعات الجيشية لأن نظامها كان قد فسد ، وحال البلاد وفلاحيها درج وكسد . فجمع منكوتمر المشار إليه النظار والمستوفين في داره أياما إلى أن راكوا الديار المصرية ، وأفرد برسم الخاص السلطاني نواحي الأعمال الجيزية والأطفيحية لأنها كانت قديما جارية في الخاص ، وثغر الاسكندرية ودمياط ونواح معينة من الأعمال الشرقية والغربية والبحيرة وتروجه والبلاد القبلية بما يناهز ثلث الارتفاع . وأغرد منكوتر بخاصه وأجناده جملة كبيرة ، وجهات مثمرة ، فحصل للجند مشقة عظيمة لانتقالهم عن إقطاعاتهم التي ألفوها ، وجهاتهم التي عرفوها ، إلى بلاد
لا خبرة لأكثرهم بها ، ولا قعوة المعظمهم فيها ، وخروج بعضهم عن أرض عامرة إلى أرض دائرة ، وبلاد دانية إلى بلاد قاصية . وقبلوا ذلك بالرغم ، وترود الغم ، فمنهم من سعد جده ، ومنهم من كبازنده ، وخبا وقده . ثم إن منكوتمر قصد إبعاد الأمراء الأكابر ، فحسن المخدومه أن يجرد عسكرة إلى سيس الفتحها ، فجرد الأمير بدر الدين أمير سلاح ، والأمير شمس الدين كرتيه ، والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار ، وتقدم إلى العساكر الشامية بالتوجه معهم ، فتوجه معهم عسكر دمشق صحبة الأمير سيف الدين قنجاق نائب السلطنة بها ، وعسكر صفد صحبة الأمير سيف الدين البكي الساق الظاهري نائب السلطنة بها ، والأمير سيف الدين عزاز الصالحي وغيرهم . وأغاروا على بلاد سيس ، وفتحوا بعض قليعات لا يؤبه بها وهي : تل حمدون ، وحموص ، وقلعة نجم ، والمصيصة ، وسروندكار ، وحجر شغلان ، وهذه الأماكن لا تفي بما كان مقررا على متملك سيس التي كان يحملها إلى الخزانة السلطانية في كل سنة ، وذلك أن الذي كان مقررا عليه في كل سنة خمسمائة ألف درهم حجرة وعدة من البغال وتطبيق النعال . وكان داخلا تحت الذمة ، باذل الطاعة والخدمة ، فلما فتحت هذه الأماكن الحقيرة ، قطع كل ذلك المقرر ، وكان من أمره ما سيذكر ، ورتبوا فيها أقواما تسحب بعضهم فيما بعد وتركوه ، وعاد الأمن إلى ماخلا منها ، وغلبوا عليه ، وربما وجدوا أقواما من الرجال المسلمين المركزين فقتلوهم . وكانت الإغارة المذكورة في سنة 697 ه.