الملك العادل بدر الدين سلامش بن الملك الظاهر
اتفق الأمراء على سلطنته عند خلع أخيه في ربيع الآخرة ، وخلع في شهر رجب منها . فكانت مدته ثلاثة أشهر وأياما . وكان أصغر أولاد الملك الظاهر سنة . ولما جلس ، ضربت، بأسمه السكة ، وخطب له ، واستقر الأمير سيف الدين قلاون الألفي أتابكا ، ومدبر للمملكة ونيابة السلطنة .
وأشار عليه الأمراء بالاستقلال بالسلطنة ، ففعل ، وأخرج سلامش من القلعة ، وشفر إلى الكرك ، وأقام بها إلى أن أحضر وأخاه منها على ما سيذكر .
الملك المنصور سيف الدين قلاون
كان جلوسه بعد خلع الملك العادل في شعبان سنة 678 ه ، ووفاته سنة 689 ه ، فكانت مدته إحدى عشرة سنة .
ولما جلس أمر ونهي ، ورتب قواعد الأولة ، وشرع في إمساك الأمراء الظاهرية الذين أثاروا تلك الفتن . وذكر البحرية الصالحية ، فأنعم عليهم وأحسن إليهم ، وجمعهم بعد تفرقهم ، ورفعهم بعد ضعتهم . وأمر من تجب إمرته ، وقدم من ينبغي تقدمته ، ورب النياب بالقلاع والحصون ، وساس السلطنة سياسة اقتضت قوامها ، وأعادت نظامها . والمشار إليه كان أولا من مماليك الأمير علاء الدين قراسنقر الكامل ، وارتجع بعد وفاته إلى ماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، هو وجماعة من وشداشته ، منهم بيبرس العلائي ، وسنقر الأشقر ، وسنقر الرومي ، وسكز ، وبلبان الكريمي ، وصاروا في جملة البحرية ، وجرت لهم في دولة المعز الخطوب التي تقدم ذكرها . وتنقلت به السعادة إلى السلطنة ، ونظر في أحوال مماليكه ، ونقلهم إلى الإمرة على درجاتهم ، فمنهم من ولاه نيابة السلطنة بالديار المصرية ، ومنهم من أرسله إلى الممالك الشامية ، ومنهم من انتقل بعد وفاته إلى السلطنة .
لما أرسل السلطان أولاد الملك الظاهر إلى الكرك ، اشترط عليهم أنهم لا يتعرضون إلى ماعداها من البلاد ، ولا يمدون أيديهم إلى الأسباب التي توجب الفساد ، فاجتمع إليهم من تلك من المماليك الظاهرية ، ومن هرب إليهم من الديار المصرية ، وتعرضوا إلى اللعب ، وخرجوا عما يجب ، وأخذوا الشوبك والصلت والبلقاء ، وترادفت رسلهم إلى البلاد الشامية يلتمسون أخذها ، وكل
ذلك يبلغ السلطان وهو يغضبي . ولما بلغه أنهم سيروا إلى النائب بدمشق يرومون أخذها ، جهز إليها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، فوصلها في ذي الحجة سنة 678 ه، فسولت له نفسه الاستبداد ، وخرج عن الطاعة ، وأبدي العناد ، وسمي روحه بالسلطنة ، ولقب بالملك الكامل ، وكاتب النواب بالحصون ، وثارت الفتن ، واختلفت الآراء ، وتشعبت الأهواء . فجهز السلطان من الديار المصرية عسكرة صحبة الأمير علم الدين الحلبي الصالحي ، والأمير بدر الدين الفخرى أمير سلاح . وعند وصولهم إلى غزة صادفهم وصول الأمير بدر الدين الأيدمرى من جهة الشوبك بمن معه من العسكر ، لأن السلطان كان قد جرده إليه لأخذه من الملك المسعود بن الملك الظاهر . فأخذه ، واجتمع المشار إليه بالأمراء ، واتفقوا جميعا ، وجرد إليهم سنقر الأشقر جيشا من دمشق صحبة الأمير بدر الدين بجكا العلائي ، فالتقيا على غزة ، وكسرتهم العساكر المصرية ، وتبعوهم إلى الكسوة . وخرج سنقر الأشقر بعسكر دمشق وحماه وحلب ، ومن جمعه إليه . ولما اصطفت الصفوف ، حمل الأمير علم الدين ، هو ومن معه ، على سنقر الأشقر ، فكسروهم ، وهزموهم ، ونجا بنفسه ، ولجأ إلى صهيون ، وتفرقت جموعه . وكانت مدته بدمشق أربعين يوما . وكاتب أبغا هولاكو ، وأرسل قصاد إلى ولده الذي هناك ، فإنه لما كان ببلاد التتار ، تزوج منهم وأولد أولادا ، وأقام بعضهم بعده بتلك البلاد ، فأرسل يستدعيهم إلى البلاد الإسلامية ، ويحضهم على قصد الديار الشامية . فجمع أبغا الجموع، وتجهز وتأهب لقصد البلاد . وتواترت الأخبار أنه أرسل أخوه منكوفر بالعساكر ، وأقام هو بالخابور . وعدت التتار الفرات في جمع عظيم ، وجيوش كأنها قطع الليل البهيم . فعند ذلك تجهز السلطان للقائهم ، وأمر العساكر بالتأهب . وخرج