تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الألفي الصالحي

كان جلوسه في شهر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، وكان عمره يومئذ تسع سنين . واستقر الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وأتابك العساكر ، والأمير علم الدين الشجاعي وزيرا ومدبرة للدولة ، والحاج بهادر السلحدار حاجبا . وتطلبوا من كان مع بيدرا ، فأمسكوهم وهم : طنطاي الساق ، وتوعية السلحدار ، والطنبغا الجمدار ، وأقسنقر الحسامي ، والناق الحلبي ، ومحمد خواجا ، وقجقر أمير مجلس ، وأروس السلحدار ، وقطعوا أيديهم ، وصلبوهم ، وطيف بهم على الجمال في الشوارع ، وشفع في بعضهم ، فأنزلوا عن الخشب ، ثم أعيدوا إلى الصلب نكالا بما فعلوا من الغدر بسلطانهم ، والإقدام على عدوانهم :

قضى الله أن البغي يصرع أهله    وأن على الباغي تدور الدوائر

وضربت رقاب الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة ، والأمير جمال الدين أش الموصل الحاجب ، وأحرقت أجسادهم . وأما الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ، والأمير شمس الدين قرا سنقر ، فإنهما تحيدا ولم يقعا ، وكانا بالقاهرة يتنقلان من دار إلى دار .

وكان الأمير علم الدين الشجاعى لما ولى الوزارة في الدولة المنصورية مال إلى المظالم والمصادرات ، واغتصاب الأموال ، واحتجانها بالعسف والعنف ، وارتفعت الألسن بالدعاء عليه . ثم أنه لما جلس في هذه الدفعة ، استمال إليه جماعة من الأمراء ، وأطلق بقلمه أشياء كثيرة ، واستبد برأيه في القبض على بعض الأمراء وهم : الأمير سيف الدين قفجاق ، والأمير بدر الدين عبد الله

السلحدار ، والأمير سيف الدين بوري ، فلم توافق أفعاله رأى بقية الأمراء . وحضر من بطانته اثنان خصيصان به إلى الأمير زين الدين كتبغا بالموكب وهما : قنغر وجاروشي ولده ، وعرفاه أن الأمير علم الدين اتفق هو وألزامه على قبضه وقبض جماعة من الأمراء عند الخوان . وللوقت خرج الأمير زين الدين من سوق الخيل إلى برأ تحت القلعة قريبا من التعرة ، وانضمت إليه جماعة كبيرة من الأمراء وغيرهم . وركب الأمير علم الدين من القلعة ومعه طائفة أخرى ، وتناوشوا القتال تحت القلعة ، ولم يعدم منهم أحد . ولم تزل جماعة الشجاعي تتفلل ، وجماعة الأمير زين الدين كتبغا يكثرون ، وأقاموا على ذلك أسبوعا ، ولم يجرح ولا نفر واحد . ولما رأى الشجاعى أنه مغلوب الحيلة ، دخل إلى باب الستارة ، ورمي سيفه ، ونزع درعه ، وقال : إن كنت أنا المطلوب ، فها أنا أتوجه إلى السجن ! . فأخذه الأقوش السلحدار المنصوري ، وصمغار ، وبعض المماليك الذين كانوا معه في القلعة ، ومضيا به إلى السجن ، وقتلاه في الطريق داخل باب الحديد ، واجتزت رأسه ، وأرسلت إلى كتبغا ، وطيف بها القاهرة ومصر على رمح ، كما طيف برأس بيدرا . وجرى في أثناء ذلك حديث بين السلطان وكتبغا ، وكثرت الرسائل بينهما إلى أن وافق على عود المشار إليه إلى القلعة ، واستقراره على حاله .

ولما بلغ الأمير زين الدين كتبغا عن المماليك السلطانية ما أوجب تغيره عليهم ، أخرجهم من القلعة ، فأسكن طائفة منهم بالكبش ، وطائفة بدار الوزارة ، وطائفة بالميدان . ولا تفرقوا تمزقوا ، وتعددت رواتبهم ، وتأخرت جامكياتهم ، وحصل النقص والخلل في أحوالهم ، فاتفقوا وركبوا من الكبش في تقدير ألف فارس ، ودخلوا المدينة ، ونهبوا بعض الاسطبلات ، وكسروا بعض الأبواب ، وخلصوا من كان مسجونا من خوشداشيتهم ، وتوجهوا إلى الذين

يقيمون بدار الوزارة ، فلم يوافقوهم ، وأدركهم الصبح ، فركب الأمراء والعسكر ، وأحاطوا بهم من كل مكان ، فأمسكوا ، وأخد اثنان من كبارهم كانا سبب الفتنة أحدهما يسمى ساطلمش ، والآخر كتبغا الحموى ، فعوقبا وقت ، وبقية المذكورين فرقوا على الأمراء والمقدمين ، وشتت شملهم ، وضوعف نكالهم وذهم جزاء بما أثاروه من الفتنة ، وحسما المادة من يتطاول إلى مثلها ، أو تحدثه نفسه بفعلها .

مختار الأخبار · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختار الأخبارص ٩١