كتبغا جافلا من صرخد ، في السلطان حقه ، وتلقاه الأمراء بالإكرام والاحترام ، وأجزلوا له العطاء ، وقلدوه نيابة السلطنة بحماه ، وكان عوده إليها في مستهل رمضان سنة 699 ه . ووصلت غارة التتار إلى غزة ، ودخلوا إلى الجامع بها ، وقتلوا به خمسة نفر ، ولطف الله وأعان على تسليك القصاد مه انقطاع الطرقات ، وأرسلت الكشافة ، وتوصلت إلى تطمين نفوس النواب الذين بالقلاع ، وكتب إليه بأن الأمداد واصلة ، والأنجاد بأمرهم حافلة ، وأراد الله أن ينتهي الأمر إلى سلامة ، ونزح التتار عن البلاد ، وتراجع الجفال إلى أوطانهم ، ونفق السلطان في العساكر نفقة جزيلة ، وغلت أسعار العدد غلوا عظيما لكثرة احتياج العساكر .
ولما انهزمت العساكر من قدام قازان ، وخلب له البلاد ، وتجاوز حمص ، حضر إلى المرج بالقرب من دمشق ، وأقام به وخرج إليه أهل دمشق بمفاتيحها ، وبهدايا جليلة ، فأقبل عليهم ، وأرسل إليها قفجاق وبكتمر السلحدار وقطلوشاه والملك يحي بن جلال الدين ، ووزيريه رشيد الدولة المسلماني ونجيب الدولة اليهودي ، فأقاموا بها وشرعوا في جباية الأموال من أهلها واستصفائها ، وأرادوا منازلة قلعتها . وكان الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصوري واليا بها ، فاحترز عليها احترازا عظيما ، وحفظها حفظا تاما ، وأحرق ما حولها من الدور والعمائر ، فلم ينالوا منها قصدأ . وأرسل قازان إلى النواب بالحصون يستميلهم ، ووصلت فرماناته إلى أكثر الأماكن يعرفهم فيها أنه من أهل الإسلام ، ويحضهم على طاعته وإلا السيف . وكانت إقامته بظاهر دمشق من سابع شهر ربيع الآخر إلى منتصف جمادى الأولى ، والتار في هذه
المدة يعبثون ويعيثون وينهبون ويفتكون ، هذا وقازان لم يأمرهم بأن يبذلوا سيفا ، ولا يفشوا أذى ، وإنما جروا في ذلك على عاداتهم الردية ، وطباعهم المطبوعة على الأذية . وفي نصف جمادى الأولى ، رحل راجعا ، وأطلق من كان أسيرا في معسكره من الأجناد والغلمان والعامة والسوقة وغيرهم ، وتواتروا إلى الديار المصرية زرافات ووحدانة ، وتواصلوا لا ترى منهم إلا شعثا غريان . وكنت أشاهدهم كالأموات قد أنشروا ، والرفات قد بعثروا لما مسهم من جهد البلاء . وترك بدمشق الأمير سيف الدين قفجاق ، وولاه النيابة والبلاد الشامية ، وقلده تقليدا عاما ، ورتب معة الملك يحيي ، وترك قطوشاه بعده ، فأقام أياما ، وجبيت له أموال من أهل دمشق . ورحل هو أيضا مشرقا ، ورتب الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار في نيابة السلطنة بالممالك الحلبية والحموية وشيزر وانطاكية وبغراش وسائر الحصون ، والأمير فارس الدين البكي نائب السلطنة بصفد وطرابلس والسواحل ، وأقام مؤكيه بالأغوار والسواحل إلى أوائل شهر رجب ، ثم توجه بمن معه من التتار إلى بعلبك ، وأغاروا على البقاع البعلبكي ، وتوجهوا إلى بلادهم .
ولما تحقق عود قازان ، خرج السلطان من القلعة في يوم الخميس عاشر رجب سنة 699 ه، ووصل إلى الصالحية في التاسع عشر منه ، وتوجه الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة وصحبته جماعة الأمراء والعناكر ، ودخلوا الرمل في الثاني والعشرين من الشهر المذكور . وعند وصولهم إلى منزلة سكرير ، هاجر الأمير سيف الدين قنجاق والأمير سيف الدين بكتمر والأمير فارس الدين البكى ، بعد أن أرسلوا إليهم قصاد ، وجددوا معهم أيمانا . ووصل في البريد الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح إلى الدهليز بالصالحية مخبرا بوصول الأمراء المذكورين في الطاعة ، وانخراطهم في سلك الجماعة ، وضربت البشائر ، وعم الحناء البادي والحاضر ، وجبيت بشارة لطيفة من أميلاء البلاد تقديرها
خمسون ألف درهم لاغير . وأنعم على الفتاح المذكور بدرة وخلعة وفرس بسرجه ولجامه . وفي اليوم العاشر من شعبان ، وصل الأمراء المذكورون إلى الصالحية ، وركب السلطان الملك الناصر للقائهم ، وأقبل السلطان عليهم ، وشرفوا بالخلع الجميلة ، وحوائص الذهب والخيول المسروجة ، ورتبت لهم الرواتب ، وعاد السلطان إلى القلعة في رابع عشر شعبان ، وأسكن الأمراء المذكورين فيها . ولما عاد العسكر صحبة الأمير سيف الدين سلار ، أقطع للأمراء المذكورين الأمير سيف الدين قفجاق نيابة السلطنة بالشوبك وأعمالها ، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار إقطاع بالديار المصرية ، وأعطى مائة فارس ، والأمير سيف الدين البكى إقطاع بدمشق ، وتوجه كل إلى جهته .