كتابه وماشافه به رسوله من خطابه ، وأعيد له الجواب بما اقتضاه الصواب ، وسفروا رسله بعد تجهيزهم صحبة الأمير سيف الدين كراي ، الذي وصلهم فأوصلهم إلى حلب .
وفي سنة 701 ه ، عزل الأمير شمس الدين الأيسر من وزارة الديار المصرية ، وولي عوضا [ عنه ] الأمير عز الدين أيبك البغدادي ، أحد الأمراء البرجية .
وفيها اتفقت وفاة الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد ، ودفن بتربته بالقرافة . وهو أول خليفة دفن بمصر من العباسيين . وبويع لولده سليمان ، ومي الفضل أبا الربيع ، ولقب بالمستكفي ، وخطب له وأطلع إلى القلعة ، واحتفظ به . وقد كان والده محتفظا به في بعض أبراج القلعة في الدولة الظاهرية والأيام المنصورية . ولما ولى الملك المنصور حسام الدين لاجين السلطنة أفرج عنه وأسكنه الكبش ، وهو المعروف بالشرف الأعلاء .
وفي هذه السنة ، ظهر بالقاهرة إنسان سخيف العقل ، مختلف النقل ، ادعى أنه المهدي ، وزعم أنه من نسل الإمام الحسين بن على بن أبي طالب ، وأنذر بأمور كثيرة ، وقطع منها بأن العدو يطرق البلاد في رجب ، ويرى الناس غاية العجب ، فأمهل إلى الوقت . ولما لم يتم شيء مما قاله ، وتبين الناس اختلاله ، فممزر وأشهر وأطلق سبيله .
ثم من بعد أيام قلائل ، كان بالقاهرة المحروسة شخص من الفقهاء الذين حضروا من الشام ، كثير الكلام ، قليل الضبط للسانه والاحتشام ، فومي بالزندقة ، واثهم بفساد العقيدة ، فأفتى الحكام بقتله ، وضربت رقبته بين
القصرين بالقاهرة ، ويعرف بابن البققى ، من أهل دمشق .
وفي العشر الأول من جمادى الأولى منها سنة 701 ه ، وردت الأخبار بأن الغربان انقلبوا إلى الفساد من قطع الطرقات ، وارتكاب المحرمات ، فرأى الأمراء الأكابر أنه لابد من إخماد فتنتهم ، واستئصال شأفتهم ، والاقتصاص منهم عما أسلفوا ، وإتلافهم من أبادوا من الأنفس وأتلفوا ، اقتداء بقوله في محكم الكتاب : هو ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ه . وقالت العرب من كلام حكمتها و القتل أنفي للقتل ، وقال أبو الطيب المتنبي :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
فتوجه الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ، والأمير ركن الدين الجاشنكير شير المملكة ، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار ، وجماعة من الأمراء الأكابر ، وتفرقوا على الطرقات ، وساروا على عدة جهات ، فمنهم طائفة توجهوا من وسط البلاد ، وطائفة من البر الشرق ، وفرقة من البر الغربي ، وجدت جماعة إلى الواحات ، وجماعة إلى الطور ، وجماعة إلى جهة القلزم إلى برية العربة ، وأحاطوا بالعربان من كل جانب ، وأنشبوا فيهم مخالب المصائب ، وشتتوا شملهم في الآفاق ، وأذاقوهم من النهب والقتل أمر المذاق . وكان عدة من أبيد منهم قريب ثلاثة ألف نفر، سوى من أخذ أسيرا ، وسجن شهورا . وعادت العساكر بأموالهم وخيلهم وجمالهم . وكان ما حصل للسلطنة منهم من الخيول خمسة آلاف فرس ، ومن الجمال تقدير ثلاثة آلاف ، ومن الغنم ما يزيد على مائة ألف رأس ، غير ما اختلسه الأجناد وتبعهم من الغلمان والسواد . وعاد الأمراء المذكورون في الرابع والعشرين من شعبان .
وفي العشر الأوسط من رمضان ، جرد الأمير بدر الدين أمير سلاح ، والأمير عز الدين أيبك الخزندار ، وبعض الأمراء والعسكر إلى جهة سيس ، وأغاروا على الجهة المذكورة ، وعادوا في العشر الأول من شهر المحرم سنة 702 ه.
وفي الثامن من المحرم ، وصلت سل أخر من جهة قازان بالمداهنة في صورة المهادنة ، والمخادعة في هيئة الموادعة . ونسخة الكتاب الوارد من جهته :
جماعة الأمراء اعلموا أن نحن جند الله خلقنا من سخطه ، وسلطنا على من أقدم على معصيته ، ولكم فيما مضى معتبر ، فانظروا إلينا بعقولكم ، وسلموا إلينا أموركم قبل أن ينكشف الغطاء ، ويعود عليكم الخطاء ، فسيوفنا صواعق ، ورماحنا خوارق ، وسهامنا رواشق ، وقلوبنا كالجبال ، وعددنا كالرمال ، والعساكر لدينا لاتنفع ، والحصون من أيدينا لاتمنع ، ودعاؤكم علينا لايستجاب ولا يسمع ، لأنكم أظهرتم البدع ، واستحللتم الحرام ، وأكلتم مال الأيتام ، وأنتم أهل الظلم والعدوان . فملكنا لا يرام ، وجارنا لايضام ، ونحن ملوك الأرض شرقا وغربا ، ونأخذ أموالكم سلبا ونهبا ، ونأخذ منكم كل مدينة غصبا . أنتم تقولون أن نحن الكفرة ، وأنتم عندنا الفجرة ، فقد سلط الكفرة على الفجرة من له الأحكام المدبرة ، والأمور المقدرة ، وقد أنصفناكم إذ كاتبناكم ، والسلام » .