تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الملك العادل زين الدين كتبغا

كان جلوسه يوم الأربعاء تاسع المحرم سنة 694 ه ، وذلك أنه اتفقت هذه الأمور ، أشار بعض ألزامه عليه بالجلوس على سرير السلطنة ، فوافق على ذلك ، وخلع السلطان الملك الناصر ولد أستاذه الذي أنشأه ، وفي نعمته رباه ، و [ لم ] يرع حقه ولا أباه . وأسكنه دارا بالقلعة لا يراه أحد ، ولا يجتمع به ، فكان معتقلا في زي مطلق . وكان المشار إليه تلطف مع السلطان والأمراء في ظهور الأمير حسام الدين لاجين ، والأمير شمس الدين قراسنقر ، فظهرا بعد طول الاختفاء ، وعاملهما بالإمام والاحتفاء ، فرتب الأمير حسام الدين في نيابته لما كان بينهما من الإمام والود ، وكونهما تربيا من صغرهما ، وكانا كروح في جسدين ، وكان كل منهما يدخل إلى حريم الآخر بإذلال الأخوة . وأعطى الأمير شمس الدين إقطاعا ، ثم أمر مماليكه وخولهم ، ولم يسلك بهم ما سلكه السلطان الكبير رحمه الله بمماليكه من التدريج ، وأعطى أحدهم ، وكان يسمى بتخاص ، مائة وجعله أستاذ الدار ، وأظهر من التعاظم والأنفة ما لا تحويه الصفة . وكذلك بكتوت الأزرق أمره بمائة وخوله ، وكانت إحدى مقلتيه زرقاء ، والأخرى سوداء . .

وفي أيامه قصر النيل بالديار المصرية ، ولم يكمل ستة عشر ذراعا ، ولم يثبت على البلاد . واتفق الغلاء العظيم الذي لم يسمع بمثله . وانتهى سعر القميح إلى مائة وسبعين درهما الأدب ، والشعير والفول إلى مائة درهم الأدب إلى ما دونها ، وبيع الترمس بأربعين درهما ثقرة الأردب ، وتهالك الناس ،

ومستهم الجهد ، وأكلوا الجيف والميتة والكلاب والقطاط . وقيل إن بعض الناس أكلوا أولادهم . ثم أعقب ذلك وباء عظيم ، ومات من الديار المصرية خلق لا تحصى ، وخلا بعض البلاد من سكانها ، وامتلأت الأرض من الأموات بين حيطانها . وكان أكثر من يموت بالقاهرة ومصر لا يجد من يدفنه بل يبقى ملقى على قارعة الطريق إلى أن تأكله الكلاب ، وبعضهم يطرحون على الكيمان . واستمر ذلك من سنة أربع وتسعين إلى سنة خمس وتسعين وستمائة . ولقد شاهدت الناس يبيعون لحم الميتة على باب القراطين ، ورأيت أقواما كلما أخرج شيء من جيف الميتة بادروا بسلخه وأكله . وشمل المحل الوجه الغربي وبرقا وما معها حتى إن أهلها أجفلوا إلى الديار المصرية ، وصادفهم بها الوباء ، فلم ينج منهم أحد. وأما مملوكا العادل المذكوران ، فإنهما أمرا ونهيا وتحكما في الدولة ، وأفسدا نظام المملكة ، وغلبا على رأي مخدومهما ، وأساءا السيرة ، واحتجنا الأموال ، واستهانا بالأمراء ، واستبدا بالآراء . وكان ذلك سببا لتغير الأمراء ، والاتفاق على قتله .

وفي أواخر سنة ست وتسعين وستمائة ، توجه إلى الشام ، وخرجت العساكر صحبته . ولما وصل إلى دمشق عزل الأمير عز الدين الحموي من نيابة السلطنة ، وولي اغرلو مملوكه . وقدم له الأمير عز الدين المشار إليه من الخيل السومة ، والجرد المطهمة ، والأقمشة المعلمة شيئا كثيرا جدا ، فلم يؤثر ذلك عنده ، وأخذ منه ومن ألزامه شيئا كثيرا . وقدمت له الأمراء تقادم كثيرة من خيل وقماش ، فلم يعمل معهم ما جرت به العادة من حسن الجزاء والمكافأة بالخلع والعطاء كما تفعل الملوك أول قدومهم إلى دمشق وغيرها . فتضاعفت موجدتهم ، وتكاملت بغضتهم ، فاتفقوا جميعا عليه . ولما عاد من دمشق ،

ووصل إلى بذعرش ، وهو ماء العوجاء ، اتفق الأمراء المتواطئون عليه ، أنهم يركبون ويقصدون الدهليز ، فإن نالوا قصدا ، وإلا يتوجهون إلى الشام قبل أن يتمكن منهم الفساد ، [ ويجتمع ] عليهم الأعداء والأضداد . فركبوا صحبة الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ، لأن مماليك السلطان المشار إليهما كانا قد حسنا للسلطان إمساك الأمير حسام الدين المذكور ، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، ولم يوافقهما السلطان ، وأستصحب المشار إليه شخصا من أكابر المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة يسمى كرجي ، كان قد ألف له قلوب خوشداشيته ، وتوجهوا إلى جهة الدهليز ، وسبق كرج إلى خيمة بكتوت الأزرق في جماعة عن المماليك ، فأدركوه داخل خيمته ، فهجموا عليه وقتلوه . وأحس السلطان بهذه الواقعة وهو داخل الدهليز ، فاستصرخ بالذين في الاسطبل ليشدوا الخيل ، فشدت وركب ، وحضر بتخاص فقتل ، وفر السلطان هاربا إلى دمشق ، وأوي إلى ولو النائب بدمشق مملوكه . ثم توجها معا إلى صرخد . واتفق الأمراء على سلطنة لاجين المنصوري ، وأخذوا عليه العهود ، قرر معهم أنه يكون كأحدهم ولا يحكم عليهم أحدا ، ولا يستأثر بنفسه عنهم . فقال له سيف الدين قفجاق : تخاف أن تقول هذا القول اليوم ، وفي غد تغيره ، وحكم علينا مماليكك ، ويجرى لنا معهم ما جرى لنا من مماليك كتبغا ! فالتزم أنه لا يفعل ذلك جملة كافية ، وتحالفوا .

مختار الأخبار · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختار الأخبارص ٩٢