تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الصالحي النجمي

وكان جلوسه في دست السلطنة بمنزلة القصير في الخامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة . ووفاته في السابع والعشرين من المحرم سنة 676 ه. فكانت مدة سلطنته ثماني عشرة سنة وشهرين . وهو تركي الجنس . وكان أولا مملوكا للأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحي ، أحد مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب . وكان الملك الصالح قد نقم عليه أمرا ما ، فأمسكه واعتقله وارتجع مماليكه وأضافهم إلى المماليك السلطانية ، ومنهم الأمير ركن الدين بيبرس المشار إليه . ولهذا يعرف بالبندقداري . ولما انتقل وصار في جملة المماليك السلطانية ، تزل في جملة البحرية . وهو الذي وثب على الملك المعظم تورنشاه بن الملك الصالح وقتله . وكان ذا دهاء وحيل وعزيمة وحزامة عظيمة . ولقد عاش أستاذه البندقدار إلى أن تسلطن ، وصار من جملة أمراء دولته المنتظمين في خدمه وخدمته . وكان يره ويراعيه ويعوده وينزل إليه . واتفق للبندقدار مرض ، فعاده ذات يوم وهو في دست سلطنته وتمكن عظمته . وكان بالدار التي هو ساكن فيها سدرة ، وكان إذا ضرب الملك وهو عنده صغير يعلقه في تلك الشجرة .

ولما زاره ذلك اليوم ، ومعه أكابر الأمراء ووجوه العساكر ، نظر إليها السلطان وقال : أتعرف هذه السدرة ؟ فقال : ياخوندا أعرفها ولولاها ما جاء هذا . يعني أنه لولا التأديب والتخريج ما ارتقى إلى هذه المرتبة ، واستفاد الآداب والتجربة . ولما خرج السلطان من عنده بادر الأمير المشار إليه ، وقطع السدرة من أصلها خوفا أن يبصرها السلطان دفعة أخرى ويتذكرها . ومن حزم السلطان

الملك الظاهر كونه بادر تورنشاه وفجئه قبل أن يفجأه . ومن ذلك الوقت تمكنت مهابته ، وانتشرت سمعته .

ولما استقر له الأمر ، أبطل عن الرعية ما كانوا مطلوبين به من التصقيع ، والتقويم ، والخمس ، والزكاة المعجلة ، والجوالى المعجلة ، والتبرع ، والراجل ، والدينار ، وغير ذلك . فكانت جملته ستمائة ألف دينار . وكتبت بذلك مسامحات قرئت على المنابر . ثم نصب دار العدل ، وأقام فيها الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب ، ينصف بين الناس ، ولم ترفع له مظلمة إلا كشفها .

ومما جرى ، أن أحد الأمراء الذين في اعتقاله ، كان قد أودع بعض الفقهاء مالا كثيرا في صندوق . وكان الفقيه المذكور في مدرسة ، وعنده صبي يقرأ عليه . فأغفله ليلة ، وسرق الصندوق . فأمسك وهو خارج به ، وأحضر إلى والى القاهرة ، فطالع السلطان بأمره . واستحضر الفقيه والصبي والصندوق . وسأل الفقيه عن اسم صاحبه ، فذكره له . فأعاده عليه ، وأوصاه بحفظه لصاحبه .

وبلغه أن للصاحب شرف الدين الفائزي مالا مودعا عند الرشيد جمال الدين الحسين بن بصاصة وغيره ، فأمر بإحضارهم ، فحضروا ، وأحضر المال . فقال بعض الحاضرين : يطلب منهم فائدة هذا المال في طول هذه المدة . فأخذ السلطان شيئا من وسط الذهب ، وأمر بقراءته ، فقرئت تواريخه ، وأسماء الملوك التي في السكك . ولم يوجد عليها اسم الملك المنصور ولا الملك المظفر . فقال : هذا مال ما بيع فيه ولا أشتري ، ولو تصرف فيه لكانت فيه هذه النقود القريبة العهود . وسأله الرشيد براءة شرعية من المال . فأجابه إلى ذلك . وأحضر القاضى والشهود ، وفعل له ما أبرأ ساحته وأحسن عاقبته . وهذه من مناقبه الدالة على أخذه بالعدل في أحكامه .

وأحسن إلى دور الملوك الذين كانوا قد وصلوا من الشام في الأيام المظفرية جافلين ، وتفقدهم وتعهدهم ، وأطلق لهم النفقات والإقامات . وهم الدار الركنية ، والدار العادلية ، والأدر القطبية ، والدار الأشرفية ، والدار المسعودية .

ولقد كان في حال إمرته ، توفي له مملوك ، ودفن قريبا من تربة الشيخ أبي السعود رحمه الله تعالى ، ورأى أحتياج الفقراء إلى الارتفاق بالماء ، فعلم هناك بئرا . ولما شرع في حفرها ، اتفق قتل الفارس اقطاي وتوجه السلطان إلى الشام . فحضر شخص جندى ، وكمل عمارة البئر . وحصل بين الجندي والفقراء كلام ، وانزعجت خواطرهم منه . واتصل الخبر بالسلطان ، فتذكر القضية ، وطلب الغريم ، وطلب الجندي الشرع . وكتب قصة بدار العدل

مختار الأخبار · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختار الأخبارص ٥٨