مل السامع ، وتملأ المسامع ، وإنما اقتصرنا على ذوي النباهة والرفعة ، ومن له
بين الأنام شهرة وشمعة .
الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي
كان جلوسه بعد وفاة والده يوم الأحد السابع من ذي القعدة سنة 689 ه.
وقبض على الأمير حسام الدين طرنطاي النائب لأنه كان قائما في مناصحته ، وباذلا جهده في محافظته ، وإنما كان بينه وبين الأمير علم الدين سنجر الشجاعي إخن عظيمة ، وشحناء قديمة ، وكذلك الأمير بدر الدين بيدرا ، وبعض الخاصكية لأنه كان يسطو عليهم ، ويقبض عن الامتداد إلى المقاصد الردية يديهم ، فخيلوا السلطان منه ، وأشاروا عليه بقبضه ، فقبض عليه بعد وفاة أبيه بثمانية أيام ، وأخذت أمواله ، وحملت إلى الخزائن السلطانية ، ونهبت مماليكه وخيوله وحواصله ، وكان شيئا عظيما لا يحصى كثرة . وولى عوضا عنه في النيابة الأمير بدر الدين بيدرا .
وأمر العساكر بالتوجه إلى غزاة عكا ، وكان خروجه في أوائل شهور سنة 689 ه ، وتقدمت مراسمه إلى الأمير حسام الدين لاجين المنصوري النائب بالشام بأن يحضر وصحبته العساكر الشامية ، وما يحتاج إليه من الآلات والمجانيق وغيرها ، واستدعى النواب من صفد والفتوحات وسائر الجهات . ونزل على عكا ، وأخذت الفرنج في التأهب والاستعداد ، والجمع والأحشاد ، وتواصلت إليهم من جراء البحر الجد والأمداد ، ونصبوا المنجنيقات ، وحصنوا الأسوار ، واجتمع الديونية والاسبتار . وكان الوصول إليها في الرابع من ربيع الأول . ولم تعبأ الفرج بما شاهدوه من الكثرة ، بل لم تزل أبوابها مفتوحة مدة
الحصار لم تغلق في ليل ولا نهار ، وصاروا يخرجون خارج السور ويقاتلون . ورتب السلطان العساكر في الزحف ، ورمتها المجانيق فلم تؤثر أثرا ، ولم يرهبوا من رمي سهم ولا حجرة . ولم يزل الحال كذلك حتي مي برج من أبراجها ، فوجدنا السبيل إلى ردم الثغر والخنادق إلى أن صار طريقا يسلكها الفارس والراجل . واجتمع الفرنج بخيلهم ورجلهم ، وشمروا عن ساعد وساق ، واتسقوا على الأسوار أعظم اتساق ، فصدقناهم القتال ، وقتل من الفريقين خلق لا يحصى عددا ، وأبذلت في افرنجها السيوف ، وأديت عليهم كأس الكتوف ، وغنم المسلمون الغنائم ، وسبوا الحلائل ، وأسروا الشبان ، وأردوا الفرسان . وكان فتحها عظيما . ومدة الحصار كانت نيفة وأربعين يوما ، وعدة من أسر من أهلها ثلاثة ألف نفي ، وأما القتلى فيزيدون عن العد.
وكان ما فتحه الله على يد السلطان بعد عكا ، صور ، وعتليت ، وبيروت ، وصيدا ، وحيفا . وتوجه أهل هذه البلاد إلى قبرس في الحال ، وكفى الله المؤمنين القتال . وأمر السلطان بهدم هذه القلاع فهدمت ، وكانت موجودة فأعدمت .
وسار السلطان إلى قلعة الروم بجاش مكين ، وجيش يرهب المشركين ، وجمع العساكر الشامية والحلبية . وكان نزوله عليها يوم الثلاثاء من جمادي الآخرة سنة إحدى وتسعين وستمائة . واجتهد في حصارها وجد، وأعد لها من الآلات والمجانيق ما لا يعد. وأقمنا على ذلك عشرين يوما متوالية . وفي أثناء ذلك ، وافت طائفة من عسكر التتار إلى جانب الفرات الشرقي . ولما وصلت الطلائع خبرة بوصولهم جرد السلطان الأمير بدر الدين أمير سلاح مقدما ، وجماعة من الأمراء . قال المصنف : فتوجهنا إلى جهة شميصات ركضا ، وأسرعنا
إليها نطوى أرضأ فأرض ، وعدينا الفرات . وكان التتار قد أحسوا بوصولنا إليهم ، وهجومنا عليهم ، فانهزموا قبل الدو منهم ، ولم ندرك سوى آثارهم ، ومواقد نارهم ، ورجعنا إلى البيرة ، ومنها إلى قلعة الروم ، واستمر حصارها إلى أن أخذت في يوم الجمعة سابع عشر رجب سنة 691 ه ، وأخرج منها الكاغيلوس ومن كان معه . ورتب السلطان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي لعمارتها ، وأمر أن لا تدعي قلعة الروم بل قلعة المسلمين الأشرفية ، واستقرت في جملة الممالك الإسلامية .