تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الملك السعيد ناصر الدين بركة خان ولد الملك الظاهر

كان جلوسه في ربيع الأول سنة 676 ه، وعمره يومئذ عشرون سنة . وكان جميلا جسيما وضيا وسيما ، ولم تكن دارت لحيته بعد إلا أنه كان حصر اللسان ، قصير العبارة ، منقطع الحجة ، إذا سمع خطابا لا يحير جوابا .

واستقر الأمير بدر الدين الخزندار نائبا على حاله أياما قلائل ، وتوفي . وكانت المدة بينه وبين أستاذه شهرة وأيام . واختلف الناس في موته ، فقيل مات حتف أنفه ، وقيل سقاه الأمير شمس الدين اقسنقر المفارقاني أستاذ الدار طلبة المنصبه ، لأنه استقر في النيابة بعده . وارتجعت مماليك أيبك الخزندار إلى المماليك السلطانية ، فمنهم من أضيف إلى البحرية ، ومنهم من نقل إلى الخاصكية بقاعدة الأعمدة . وصار في قلوبهم من المفارقاني ما فيها لاتهامهم إياه بقتل مخدومهم ولاستقلاله بمنصبه .

وأما الملك السعيد فكان - كما ذكرنا - عديم البصيرة ، ضعيف الرؤية ، مضطرب الفكرة ، يميل مع كل مستميل ، ويحول، إذا استحيل ، واستحوذ عليه مماليكه الخاصكية الصغار استحواذا أفسد نظام دولته ، وغير خواطر الأكابر من أمراء مملكته . ثم أوهموه منهم ، ونفوه عنهم ، وحسنوا له إمساكهم . فكان أول من أمسك خاله الأمير بدر الدين محمد بن بركتخان . ثم بعده ، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، الذي كان والده يعده لمهمات الأمور ، ويشركه في الأسرار التي لا تؤمن عليها الصدور ، وتعب في إحضاره من التتار بأنواع الحيل ، وفداه بابن صاحب سيس . وأمسك الأمير بدر الدين بيسرى ، وكان من والده بمنزلة الولد من الوالد والزند من الساعد . ثم أنهم خلوه من الأمير شمس الدين المفارقاني ، نائب السلطنة ، فأمسكه وقتله ، لأن مماليك الخزندار اتفقوا عليه مع

بعض الخاصكية ، وقالوا إنه يطلب الملك لنفسه . ولما كان يوم السبت المادي والعشرين من ربيع الأول ، أمر بإحضاره إلى باب السر ، فامتنع من الدخول لأنه أحس بما قصدوا به . فأخذ غصبة وجرجر ستحبة ، ومضى به إلى داخل الرحبة الجوانية ، ونتف شعر لحيته ، وكانت وافرة ، فلم يتركوا فيها شعرة واحدة ، وقتل على مكانته ، وحمل على لوح ، وأنزل من القلعة ، ودفن . وولى النيابة بعده الأمير شمس الدين سنقر الألقى المظفرى ، فكرهه الخاصكية لأنه كان ذا عقل وسكينة وودي في حركاته ، فلم يكن ينقاد إلى آرائهم ، ولم يوافقهم على أهوائهم . فصاروا يختلقون له ذنوبا ، ويرتبون عليه عيوبا ، واتهموه بأنه يقصد إقامة الدولة المظفرية ، ويرشح خوشداشيته إلى المناصب العالية ، وأنه ولى علم الدين سنجر الحموي أبو خرص نيابة السلطنة بصفد وزاده أريحا وأعمالها على أقطاعه ؛ ولكونه كان رجلا مسالم ، لطف الله به ، فعزل سالم . وؤلي النيابة بعده الأمير سيف الدين كوندك السعيدي ، وكان السلطان يؤثره ويدنيه ، وله به إلمام من جهة كونه كان معه في المكتب ، فرشحه للنيابة ، وقدمه على تلك العصابة .

وكان الباعث على انتقاض دولته ، واضطراب مملكته وخلعه عن مرتبته ، وذلك أنه لما قبض السلطان على الأمراء والأكابر ، وفوض أمره إلى المماليك الأصاغر ، أوجس الأمير سيف الدين قلاون الألفي خيفة على نفسه ، واستشعر الوحشة بدلا من أنسه . ثم أن والدة السلطان شفعت إليه في أخيها بدر الدين محمد بن بركتخان ، وفي الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، والأمير بدر الدين بيسرى ، وشفع فيهم الأمراء أيضا ، فأفرج عنهم . ولما رأوا أحواله على غير نظام ، اتفقوا على خلعه . وفي أثناء ذلك أشار خواصه عليه السفر إلى الشام .

ولما توجه السلطان في شهر ذي القعدة سنة 671 ه إلى الشام ، واستناب بالديار المصرية الأمير عز الدين الأفرم ، والأمير علاء الدين أقطوان الساق ، وعند وصوله إلى دمشق ، جرد العساكر فرقتين : فرقة إلى جهة قلعة الروم ، صحبة الأمير بدر الدين بيسرى ، وفرقة إلى جهة سيس ، صحبة الأمير سيف الدين قلاون الألفي . وعكف السلطان على لهوه ولعبه ، وجرت نقائض يطول شرحها من سوء التدبير وفرط التبذير ، واستيلاء المماليك الخاصكية على الدولة ، وتقديمهم الأصاغر وإقصائهم الأكابر ، وإهمال السلطان النظر في أحوال العساكر ، ووقع بين الأمير سيف الدين كوندك نائب السلطنة وبين الأمير حسام لاجين الزيني ، وكان عند السلطان من أعظم الخواص . واتفق الأمير سيف الدين كوندة مع الأمير سيف الدين قلاون الألفي ، وانحاز إليه ، وأكد الود بينهما زواج كوندك المذكور بابنة كرمون أخت زوجة قلاون الألفي ، لأن الملك الظاهر كان طلبها ، فجهها إليه الأمير سيف الدين قلاون الألفي ، فأقامت عنده مدة ، وبانت عنه . ولما طلبها الأمير سيف الدين كوندك ، جهزها جهاز، حسن ، وحملت إلى الأمير سيف الدين كوندك ، وهو نائب السلطنة . ولما نشأ بين كوندك وبين لاجين الزيني الشنان الذي ذكرناه ، صار المماليك السلطانية فرقتين : طائفة مالت إلى لاجين الزيني ، وطائفة إلى كوندك . وصار كل منهما يؤثر نفع الجماعة المنحازة إليه ، ويتنافسان لهما في الإقطاعات والزيادات ، وثارت الفتن لذلك . ولما عادت العساكر من جهة سيس ، واعتزل كوندك وطائفته ، وخرج إلى عذرا وضمير خارج دمشق ، وأرسل إلى الأمير سيف الدين قلاون والأمير بدر الدين بيسرى ، وهما في أثناء الطريق يخبرهما بأن السلطان ولاجين الزينى قد اتفقا على إمساكهما وإمساك من معهما من الأمراء الأكابر ، وإخراج إقطاعاتهم لجماعة معينة من الخاصكية ، فتنكروا ذلك وداخلهم الوهم لما يعلمونه من ميل السلطان وانفعاله ورجوعه إلى الصغار في

مختار الأخبار · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختار الأخبارص ٧٧