ذكر الواقعة التي كانت في هذه السنة بمجمع المروج :
قيل إنه لما وصل العسكر المنصور إلى حمص ، حضر من أخبر أن التار ركبوا النهر فساقوا من حمص إلى مجمع المروج ، وهو مكان يعرف بوادي الخزندار ، وهو بين حماه وحمص ، والتتار مكمنون في الوادي المذكور حتى إذا قاربت العساكر الوادي المذكور بعد ركض شديد ، وسير عنيف ، وعطش كاد بهلكهم ويهلك خيلهم ، وكانت الأخبار غير شافية ، ولما ساقوا ووصلوا إليهم ، وقد أعيت الخيول من ثقل العدد . فلما واجهوهم ، حملت ميسرة المسلمين على التتار فكسرتهم . ولقد حدثني الأمير سيف الدين بلبان الطباخي ، تغمده الله برحمته ، وكان بالميسرة ، أنه حال إقبالهم إلينا ملنا عليهم حمله انزوا لها ، وانقلبوا إلى القلب الذي لهم . فلما رأى قازان ذلك ، انهزم راجعا ، ثم تحامل التتار وحملوا ، وقضى الله أن جاءت ميسرة التتار على ميمنة العساكر ، فانكسرت ، وأحاطوا بالسلطان والقلب ، وفوقوا نحوهم السهام ، فكانت كالشمس إذ ترمي السهام ، فولى المسلمون الأدبار منهزمين ، واستولى التتار على الأثقال ، ونهبوا الخيول والجمال ، وكانت قادحة شديدة على الإسلام ، ونائبة عظيمة نابت الأنام . ولم يقتل في هذه المعركة إلا القليل ، واستشهد الأمير سيف الدين كرد نائب السلطنة بالحصون ، والأمير ناصر الدين بن الحتي ، والأمير سيف الدين بلبان التقوى النائب بالسواحل ، والأمير ركن الدين العلمي الذي كان نائبا بالمرقب ، وجمال الدين أقش الكرجي الحاجب . وبعد انقضاء الوقعة ، قتل الأمير بدر الدين بيليك الطيار دون جريمة وقت إجفاله من دمشق إلى الكرك . ووقع في الأمير سيف الدين نوكيه سهم ، فحمله أصحابه إلى طبرية فمات بها . ونجا السلطان بنفسه والأمراء ، وتبددت جموع العساكر ، وحصل العدو على كل مالهم من العم والنعم ، والغدد التي ادخروها من القدم . ولا وصلوا إلى حمص ، سلم مفاتيحها إلبهم محمد بن الصارم ، واليها ، وفتح لهم
أبوابها ، ووقف في خدمتهم ، وأخذ منهم أمانا لأهلها . ورحلوا منها إلى دمشق ، وتوجهت طائفة منهم إلى صفد وبيسان وغزة والأغوار ، ونهبوا جميع هذه البلاد ، وأخذوا أموالها وغلاها ومواشيها ، وأسروا شاباتها وشبانها ، وفتكوا بالمسلمين والمسلمات ، وهتكوا المستورات والمحصنات ، وأغاروا على القدس والخليل ، وقتلوا من وجدوه من المسلمين والنصارى ، وشربوا في الحرم ، واستحلوا كل محرم ، وسبوا خلق كثيرا ، وأخذوا من النساء والصبيان جما غفيرا ، وأقاموا هناك يترددون ويغيرون ويفسدون إلى أن قدر الله انتزاحهم .
ووردت العساكر إلى الديار المصرية أشتانا متفرقين ، عراة ملقين ، وكان وصول السلطان أولا وصحبته الأمير سيف الدين سلار ، والأمير ركن الدين الجاشنكير ، وبكتمر أمير جاندار ، وحسام الدين استاذ الدار ، وعلم الدين الجاولى وغيرهم .
قال المصنف المقر الركنى الذوادار : وكنت يومئذ نائبا بالقلعة ، ولما وردت إلى البطائق بقربهم ، أشعت أنها : مخبرة بالنصرة ، وكتمت عن العوام أخبار الكسرة ، وتقدمت بضرب البشائر بالقلعة إنفاء للمظنة ، وإخمادا لما لعل السواد يثيرونه من فساد أو فتنة . ثم تواصلت العساكر كل بمفرده ، وكانت طائفة منهم وقت الرجعة من الوقعة سلكوا على ساحل طرابلس خوفا من اتباع التتار آثارهم ، فنزلت إليهم الجبلية من الجبال ونهبوا طائفة بعد طائفة ، وحفظوا عليهم مضايق الطرقات وسلبوهم وقتلوا منهم جماعة ، ومن أفلت من أيديهم تلقته العربان الذين بالقرب من غزة وما حولها ، وكملوا تهبهم ، وجدوا سلبهم ، فكان ذلك على العساكر أشد نكاية من التتار . ثم تواصلت العساكر الشامية ، فكان أول من وصل الأمير سيف الدين بلبان الطباخي نائب السلطنة بالممالك الحلبية ، ومعه وعلى إثره عسكر حلب ، وبعده أقش الأفرم نائب السلطنة بدمشق ، وكراي نائب السلطنة بصفد ، ووصل الأمير زين الدين