فالأمر حاصل . فالجواب أن ثم أمورا متي حصلت عليها الموافقة ابتني على ذلك حكم المصاحبة والمصادقة ، ورأى الله والناس كيف يكون تصافينا ، وإذلال عدونا وإعزاز مصافينا ؛ فكم من صاحب وجد حيث لا يوجد الأب والأخ والقرابة ، وما تم أمر هذا الدين واستحكم في صدر الإسلام إلا بمظافرة الصحابة . فإن كانت الرغبة مصروفة إلى الاتحاد وحسن الوداد وجميل الاعتضاد ، وكبت الأعداء والأضداد ، والاستناد إلى من يشتد الأزر به عند الاستناد ، فالرأي إليه في ذلك .
ومن المشافهة أنه إن كانت الرغبة ممتدة إلى ما في يده من أرض وماء ، فلا حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود . فالجواب عن ذلك أنه إذا كق كف العدوان وترك المسلمين ومالهم من ممالك ، سكنت الدهماء، وحقنت الدماء ، وما أحقه بأن لا ينهى عن خلق ويأتي مثله ، ولا يأمر ببر وينسى فعله ؛ وقنغرطاي بالروم ، وهي بلاد في أيديكم ، وخراجها جبي إليكم ، وقد سفك فيها وقتك ، وسبي وهتك ، وباع الأحرار وأبى إلا التمادي على الإضرار والإصرار .
ومن المشافهة ، أنه حصل التصميم على أن لا تبطل هذه الغارات ولا يفتر عن هذه الإثارات ، فيعين مكانا ويكون فيه اللقاء ، ويعطى الله النصر لمن يشاء . فالجواب عن ذلك أن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرة ومرة ومرة ، قد عاف مواردها من سلم من أولئك القوم ، وخاف أن يعاودها فيعاوده مصرع ذلك اليوم . فوقت اللقاء علمه عند الله فلا يقدر ، وما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر ؛ ولا نحن من ينتظر فلتة ، ولا ممن له إلى غير ذلك لفثة ، وما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغتة .
والله الموفق لما فيه إصلاح هذه الأمة ، والقادر على إتمام كل خير ونعمة .
وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وفي سنة 683 ه خرج السلطان إلى دمشق بسبب الرسل ، فجاء سيل حتى غرق البساتين والدور ، ومات خلق لا تحصى .
ولما استولى السلطان أحمد على الملك ، خرج أرغون ابن أخيه أبغا لقتاله من خراسان ، واتقعا ، فوقعت الكسرة على أرغون ، فأمسكه عمه ، وقيده ، فانتصرت له الحانات والأمراء ، واستنقذوه من يده ، وحلفوا له ، وقتلوا عمه السلطان أحمد ، وأجلسوه في المملكة عوضه سنة 683 ه.
وفي شهر ربيع الأول سنة 684 ه ، و المرقب من الأمن والفرج لأن الأمير سيف الدين بلبان الطباخي المنصوري نائب حصن الأكراد سير إلى السلطان يعترفه أن حصن المرقب قد خلا من الخيالة والرجالة ، ويستأذنه في التوجه إليه من عنده من عساكر حصن الأكراد ، فرسم له بذلك . ولما توجه إليها خرج الأرمن والفرنج والساحلية وكسروهم ونهبوهم . ولما بلغ السلطان حنق حنقا عظيما ، وأمر بتجهيز العساكر لغزاة المرقب . وسير خلف الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، فلم يتفق حضوره ، وتحقق للسلطان ملقه وخداعه . ونزل السلطان بالمرقب ونازله ، ونصب المجانيق ، وصدق المسلمون القتال ، وطلب أهلها الأمان ، فأجيبوا إليه ، وجهز السلطان أهلها إلى طرابلس حسبما سألوا ، ولم يغدر منهم بأحد ، ولا فرق بين والد وولد بل توجهوا إلى مأمنهم . وكان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر قد أرسل ولده ، ولما رأى السلطان أنه تأخر عن الحضور ، أرسل ولده إلى الديار المصرية حقا على أبيه وغيظا من تأخره وتأبيه .
وعاد السلطان إلى الديار المصرية فوجد المدرسة التي أمر بإنشائها بين
القصرين قد كملت هي والتربة التي بإزائها ، والمارستان ، وكتاب السبيل . وكانت مدة عمارتهم جميعا سبعة شهور لا غير ، لأنه حصل الشروع فيها في أوائل شعبان سنة 683 ه، والفراغ منها في صفر سنة 683 ه. وشاد العمارة الأمير علم الدين سنجر الشجاعي أحد المماليك السلطانية المنصورية ، وكان المشار إليه مشد الدواوين بالديار المصرية .