وأما الإشارة إلى أن النفوس إن كان لها تطلع إلى إقامة دليل تستحكم بسببه دواعي الود الجميل ، فلتنظر إلى ما ظهر من مآثره في موارد الأمر ومصادره ، ومن العدل والإحسان بالقلب واللسان ، والتقدم بإصلاح الأوقاف والمساجد والربط ، وتسبيل السبيل للحج إلى غير ذلك .
فهذه صفات من يريد الملكه الدوام ؛ فلما ملك عدل ولم يمل إلى لؤم من عدا ، ولا لوم من عذل ؛ على أنها وإن كانت من الأفعال الحسنة والمثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة ، فهي واجبات تؤدي وقربات بمثلها يبدي ، وهو أكثر من أنه بإجراء أجر غيره يفتخر أو عليه يقتصر أوله يدخر ، بل إنما تفخر الملوك الأكابر برد ممالك على ملوكها ، ونظمها على ما كانت عليه في سلوكها . وقد كان والده فعل شيئا من ذلك مع الملوك السلجوقية وغيرهم ، وما كان أحد منهم يدينه بدين ، ولا دخل معه في دين ؛ وأقرهم في ملكهم وما زحزحهم عن ملكهم ، ويجب عليه أن لا يرى حقا مغتصبا ويأبى إلا رده ، ولا باعا متدا بالظلم ويأبى إلا صه . حتى أن أسباب ملكه تقوى ، وأيامه تتزين بأفعال التقوى .
وأما تحريمه على العساكر والقراغولات والشحاني بالأطراف ، التعرض إلى أحد بالأذى ، وإصفاء موارد الواردين والصادرين من شوائب القذى ، فمن حين بلغنا تقدمه بمثل ذلك ، تقدمنا أيضا بمثله إلى سائر نوابنا بالرحبة والبيرة وعينتاب ، وإلى مقدمي العساكر بأطراف تلك الممالك . وإذا اتحد الإيمان ، وانعقدت الأيمان ، تحتم هذا الإحكام ، وترتب عليه جميع الأحكام .
أما الجاسوس الفقير الذي أمسك وأطلق ، وأن بسبب من يتريا من الجواسيس بزي الفقراء قتل جماعة من الفقراء الصلحاء رجما بالظن ، فهذا باب من تلقاء ذلك الجانب كان قحه ، وزند من ذلك الطرف كان قدحه . وكم من متزي بفقير من ذلك الجانب سيوه ، وإلى إطلاع على الأمور سوروه ، وأظفر الله منهم بجماعة كبيرة فرفع عنهم السيف ، ولم يكشف ما غطوه بخرقة الفقر بلم ولا كيف .
وأما الإشارة إلى أن بإتفاق الكلمة تنجلي ظلم الاختلاف ، وتدر بها من الخيرات الأخلاف ، ويكون بها صلاح العالم ، وانتظام شمل بني آدم ، فلا راد
لمن فتح أبواب الاتحاد ، وجنح للسلم وما حاد ولا حاد ، ومن ثنى انه عن المكافحة فهو كمن مد يد [ المصالحة ] للمصافحة ، والصلح وإن كان سيد الأحكام ، فلابد من أمور ثبنى عليها قواعده ، وتعلم من مدلوله فوائده . فالأمور المسطورة في كتابه هي كليات لازمة عمر بها كل مغني ومعلم ، إن تهيأ صلح أو لم ؛ ثم أمور لابد وأن تحكم ، وفي سلكها عقود العهود تنظم ، قد تحملها بلسان المشافهة التي إذا أوردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس ، وأحرزتها صدور الرسائل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس .
وأما الإشارة إلى الاستشهاد بقوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ، فما على هذا النسق من الود ينسج ، ولا على هذا السبيل ينهج ؛ بل الفضل المتقدم في الدين ونصره عهود رعى ، وإفادات ستدعي ، وما برح الفضل والأولوية وإن تناهي العدد للواحد الأول ، ولو تأمل مورد هذه الآية في غير مكانها لتروي وتأول .
وعندما انتهينا إلى جواب ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب سمعنا المشافهة التي على لسان أقضي القضاة قطب الدين ، وكان منها ما يناسب ما في هذا الكتاب من دخوله في الدين ، وانتظام عقده بسلك المؤمنين ، وما بسطه من معدلة وإحسان ، مشكورة بلسان كل إنسان ، فالبيئة الله عليه في ذلك ، فلا يشينها منه بإمتنان ، وقد أنزل الله على رسوله في حق من امتن بإسلامه : «قل لاتمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان » .
ومن المشافهة أن الله قد أعطاه من العطاء ما أغناه عن امتداد الطرف إلى ما في يد غيره من أرض وماء ، فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك ،