وفي أوائل سنة 685 ه، استرجع السلطان الكرك من أولاد الملك الظاهر لما كانوا عليه من سوء التدبير ، وفرط التبذير ، وإضاعة ما كان والدهم خونه بها من الأموال الجزيلة ، والذخائر الكثيرة ، وجرد إليهم الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري نائب السلطنة وصحبته العساكر ، ونزل عليها أياما ، وحاصرها وضايقها ، واستمال من كان بها ، وبذل لهم الأموال . فأرسل إليه أولاد الملك الظاهر في طلب الأمان ، وتأكيد الأيمان . فأجابهم إلى ملتمسهم ، وضمن لهم عن السلطان صيانة أنفسهم ، ووعدهم عدات جميلة . فحينئذ نزل إليه الملك المسعود نجم الدين خضر ، والملك العادل بدر الدين سلامش ، ولدا الملك الظاهر . وتسلم الكرك في العشر الأول من صفر سنة 685 ه ، ورتب أحوالها . ولما وصل إلى الديار المصرية بالمذكورين ، تلقاهم السلطان بنفسه ، وبسط لهما مهاد أنسه ، وأمرهما بطبلخانتين ، ووصلهما وأسكنهما بالقلعة ، وصارا يركبان مع ولديه ، ويسيران في المواكب بين يديه . ولما أقاموا على ذلك . مدة ، فاتفق أن بلغه عن جماعة من المماليك الظاهرية الذين أبقاهم ، أنهم قد أزمعوا أمر ، وأضمروا غدرة . فأوجب ذلك إمساك المذكورين واعتقالهما . ولم يزالا في الاعتقال إلى أن مات السلطان .
قال المصنف المقر الركني بيبرس الدوادار : وجهزني السلطان إلى الكرك نائبا ، وأعطاني إمرة بثمانين فارسا . ولم أزل مستمرا إلى أن توفي السلطان . وكانت مدة الإقامة أربع سنين . وانتقلت إلى الديار المصرية في الدولة الأشرفية .
وفي أوائل سنة 686 ه ، استرجع صهيون من الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ، وذلك أنه لما لم يحضر إلى الخدمة بالمرقب مع قرب المسافة ، وتأخر عن مناصرة العساكر ، ثم إن نواب القلاع المجاورة له تواترت بالشكاوى منه . فجهز إليه الأمير حسام الدين طرنطاي بالعساكر ، وتوجه إلى صهيون ، ونزل عليها ، ونازلها ونصب المجانيق ، ولما أشرف على أخذها ، طلب منه الأمان ، فأجابه ، وقرر معه أن لا يؤذيه ، وأن يكون واسطة بينه وبين السلطان في الإبقاء عليه ، فضمن له عن السلطان ، وخرج من صهيون ، وتسلمها الأمير حسام الدين المشار إليه ، ورتب بها النواب وأرباب الوظائف ، وقرر أحوالها ، وعاد إلى الديار المصرية وهو صحبته . ولما وصل ، خرج السلطان للقائه ، وترجل كل منهما عن فرسه ، وتعانقا وتكارشا وتباكيا ، وأطلعه إلى القلعة ، وبالغ في الإنعام عليه ، والإحسان إليه ، وقربه وأدناه ، ونال من إكرامه فوق ما تمناه ، وأعطاه إمرة بمائة فارس . ولم يزل كذلك إلى أن توفي السلطان ، وملك ولده الملك الأشرف ، فقبض عليه ، وأعدمه سنة 691 ه.
وفي شعبان من هذه السنة [ 687 ه]، توفى الملك الصالح ولد السلطان ، وكان اسمه علاء الدين على ، وأمه ابنة كرمون التي ذكرنا أن السلطان بني بها وهو أمير في الدولة الظاهرية ، وخلف الملك الصالح المذكور
ولدا يسمي مظفر الدين موسى ، فأسي السلطان عليه أسى عظيمة ، ووجد بفقده وجدأ جسيما ؛ وكان كامل الأدوات ، حقيقا بأسباب الرياسات .
وفي هذه السنة المذكورة ، سنة 688 ه ، فتوح مدينة طرابلس الشام . وذلك أنه تواترت إليه كتب النواب بالشام بحصن الأكراد ، والمناصفات الساحلية ، يشكون من حيف الفرنج الذين بطرابلس . فعزم على قصدها ؛ وكتب إلى النواب بالشام بإحضار العساكر إليها من جميع الجهات ، وتجهيز الآلات والمنجنيقات ، ونزل عليها في أوائل السنة ، وشدد القتال ، وضاعف الاجتهاد والاحتفال ، فأخذت في الرابع من شهر ربيع الآخر سنة 688 ه ، وبذل السيف في أهلها ، واستحكم القتل من شيخها وكهلها ، وأسر الشبان والعذارى ، وأمر السلطان بإخراجها ، وإحراق أسوارها وأبوابها ، فخربت وأحرقت . وعاد إلى الديار المصرية مظفر منصورة ، ولم تزل مملكته متسقة النظام ، ودولته صافية الليالي والأيام ، وهو خلى البال من عدو ناصبه أو جيش يحاربه ، وقرن يضاربه ، إلى أن دخلت سنة تسع وثمانين وستمائة . فبلغه عن أهل عكا أنهم قد أكثروا الفساد بتلك البلاد ، واعتمدوا الإضرار بالتجار ، وقتلوا من المسلمين ثلاثين نفرا ، فغاظه ذلك ، وغضب وراسلهم بالإنكار ، واسترجاعهم عن العدوان والإضرار . فأبوا إلا التمادي على الإصرار ، وإبداء الأعذار . فأمر العساكر بالتأهب والتجهيز ، فتأهبوا وخرج الدهليز المنصور بمسجد التين ، وترك ولده الملك الأشرف بالقلعة . وأقام ريثما يكمل روج العساكر ، ثم بعد ذلك يسافر .