ذكر وفاته إلى رحمة الله بمدينة دمشق
لما دخل دمشق في الخامس من المحرم [ سنة 676 ه]، ونزل بقصره الأبلق بالميدان الأخضر ، معتقدا أن الدنيا له خصلت ، والبلاد التي حلها ركابه عنه ما انفصلت ، وأن سعده استخلص له الأيام وأصفاها ، والممالك شرقا وغربا ولو لم يكن بها غيره لكفاها ، وإذا بالمنية قد أنشبت أظفارها ، والأمنية وقد وضعت حربها أوزارها ، والعافية وقد شمرت الذيل ، والصحة وقد قالت لطبيبه « أهلك والليل ، ورماح الجط وقد قالت لأقلام الخط « أصبت في لبس الحداد من المداد » ، وقالت عند شق الجيوب « نحن أحق منك بهذا المراد »، فأها لها فجيعة ما قدر أحد يتأوه من أجلها ، ومصيبة ما مكنت المصلحة الحاضرة من إظهار ما يجب المثلها .
وكان ابتداء مرضه ليلة السبت الخامس عشر من المحرم . ونزل وهو ملتاث ، وأصبح وليس عنده انبعاث . وقبضه الله إليه بعد الزوال من يوم الخميس سابع وعشرين من المحرم . وحمل إلى قلعة دمشق في تلك الليلة .
وأول فتوحه كان قيسارية ، وآخر ما فتحه قيسارية . وأول جلوسه في مرتبة السلطنة يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة . وأخر جلوسه في تخت السلطنة السلجوقية يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة .
واستمر بقلعة دمشق إلى أن ابتاع ولده الملك السعيد ، دار
العقيقى ، وبناها له ثربة ، وحمل إليها ليلة الرغائب من شهر رجب .
قال المؤلف : حدثني من أثق إليه ، أن السلطان الملك الظاهر لما عاد إلى دمشق مظفر منصور ، وبما أوتي من النصرة جذلا محبورا ، جمع الأمراء بالميدان الأخضر لشرب القمز . وكان بمدينة دمشق شخص من سلالة بني أيوب يسمى الملك القاهر ، لا وجه له ولا وجاهة ، ولا قدر ولا نباهة ، إلا أنه كان يسمى بالملك حفظا لذكر العادة ، ولم يكن على مخايله شيء من السعادة . وأن السلطان لغيرته من بقاء من يشاركه في هذه الأسمية أراد إعدامه ، وسقيه سقية تدنى إليه حمامه ، فأحضره في مجلس القمز ، وأمر بسقيه . فعملت له في كأس ، وجيء به ، فشربه وأحس بما فيه ، فقام لوقته وحمل نفسه إلى داره ، فمات بها . وغفل الساق عن كأس السقية ، فاختلط بأواني الشرب ، فملأه على أثره ، وناوله السلطان ، فشرب . فكان قتله بما قتل به ، وموته بما دبره على غيره ، ودين بما دان ، وأبلاه الجديدان . والله أعلم بصدق هذا النقل ، فإني لم أشاهده عيانا . فسامحه الله ورحمه ومنحه رضوانه وكرمه .
وأخفت الأمراء موته عن الناس . وأشيع أنه مستمر المرض . فإن الأخبار وردت بحضور أبغا بن هولاكو البلاد ، فتوقفت العساكر عن الرحيل إلى الديار المصرية أياما إلى أن وردت الأخبار أنه إنما جاء إلى الألستين ، موضع المعركة كما ذكرنا ، وعاد إلى بلاده بعد غارته على التركمان . فعند ذلك أمر الأمير بدر الدين العساكر بالرحيل إلى الديار المصرية ، ورتب الأطلاب والخزائن والموكب على عادته ووضعه ، وحملت محقة فيها مملوك من المماليك ، والناس يظنون أنه
السلطان مريض والأطباء تحضر إليها للخدمة ، والأشربة حمل والمزاور والمصاليق تعمل ، والسناجق والعصائب والجمدارية حافة بالمحقة . والأمراء في منازلهم ، ولم يتجاسر أحد ممن له علم بموته أن يتفوه بذكره ، ولو أمكن لم يخطره بفكره . وبقي أكثر الناس من ذلك بين الشك واليقين ، غير مكذبين موته ولا مصدقين ، إلى أن وصلوا إلى الديار المصرية في العشر الأول من ربيع الأول سنة 676 ه . وحملت الخزائن إلى القلعة سالمة محفوظة .
وكان للملك الظاهر من الأولاد ثلاثة : الملك السعيد ، والملك نجم
الدين خضر ، وبدر الدين سلامش ، غير البنات .