تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غالب أحواله ، ولما قدمه من الإساءة إلى الأكابر حتى إلى خاله . ولما وصلوا عذرا وضمير تلقاهم كوندك ، وحذرهم ، فاتفقت آراؤهم جميعا على الإقامة بالمرج وألا يدخلوا دمشق إلى أن يتبين لهم الأمر ، وكتبوا إلى السلطان بطلب الاجين الزيني ، وإرساله إليهم ليقع الحكم بينه وبين كوندك فيما شجر بينهما ، فلم يسيره إليهم ، بل كتب إلى من كان معهم من الأمراء الظاهرية والمماليك السلطانية يستدعيهم إليه ويأمرهم بسرعة القدوم عليه . ولم يكتب إلى أحد من الأمراء الأكابر كتابا ، فأمسك القاصد بهذه الكتب ، وأحضر إلى الأمراء ، فتحققوا جميع ما قيل ، وتيقنوه وأظهروا النفار الذي كانوا أبطنوه . ورحلوا من المرج كمية إلى جهة داريا بالقرب من الجسور . فأرسل السلطان إليهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وشمس الدين سنقر التكريتي أستاذ الدار ، بأن يدخلوا إليه ويعطفوا عليه ، فأبوا إلا نفارا وجماحا ، وممدوا في الشقاق ورواحا . ورحلوا لوقتهم من داريا إلى الكسوة ، فاستشعر الملك السعيد الخيفة منهم ، وأرسل إليهم والدته في محفة لتسترجعهم وتستعطفهم ، فلم يفد ذلك ولا أجدي نفعا . ثم ساروا يطوون المراحل إلى الديار المصرية ، فوصلوا إلى القاهرة في ربيع الأول سنة 678 ه. وعسكروا تحت القلعة بالقرب من الجبل الأحمر . وأغلقت أبواب القاهرة ، وحضر إليهما النائبان اللذان بالقلعة ، وهما عز الدين الأفرم وعلاء الدين أقطوان ليتحدثا معهم في الصلح والدخول إلى القاهرة . وأشار كوندك بالقبض عليهما ، فأمسكا ولم يمكنا من الطلوع إلى القلعة . وأخذ الأمراء في محاصرة القلعة وبها سيف الدين بلبان الزريقي وبعض المماليك السلطانية في عدة غير كثيرة .

ولما يئس السلطان من رجوعهم ، جمع الأمراء الذين عنده والعسكر الشامي والمصري والعربان ، وأنفق فيهم ، ورحل من دمشق متوجها إلى الديار المصرية في إثر الأمراء . ولما وصل إلى غزة ، تفرقت الغربان . ولما وصل إلى

بلبيس أعطى العساكر الشامية دستورا ، ولم يبق معه إلا شرذمة قليلة من المماليك السلطانية ، وركب قاصدا القلعة . وبلغ الأمراء أنه واصل من خلف الجبل الأحمر ، فركبوا إلى هناك ، وحضر هو من الطريق المعروفة ، وصادفه شباب شامل في بكرة ذلك النهار قد غطى الأبصار ، فلم يشاهد أحد الفريقين الآخر . فطلع السلطان إلى القلعة على حاله ، وحقن الله الدماء . ولما سمع الأمراء بطلوع السلطان إلى القلعة ثنوا الأعنة إليها ، وجدوا في حصارها .

وحدثني بعض الثقات أن السلطان لما طلع إلى القلعة ، حضر إليه الأمير سيف الدين الزريقي الذي قلنا إنه كان مقيما بالقلعة ، ليقبل الأرض بين يديه ، شتمه لاجين الزيني وعنفه وأغلظ له في الكلام . فقال له الزريقي : « هذا جزائي الكوني حفظت لكم القلعة والخزائن إلى أن حضرتم ». ونزل من القلعة إلى الأمراء ، وأخذ المماليك الذين كانوا في القلعة ينسلون واحدا بعد واحد . ولا رأي السلطان أنه قد أسلمه رهله ، أرسل إلى الأمراء يطلب الأمان ، وجعل الحكم فيما يرونه ، وسأل أن يكون له الكرك وأعمالها ، فأجابوه إلى ذلك . وللوقت خرج من القلعة ، وسفر إلى الكرك صحبة بيدغان الركني وجماعة من المماليك يوصلونه ، وذلك في آخر ربيع الأول سنة 678 ه. وكان والده قد ادخر بها أموالا جزيلة وذخائر عظيمة ، كأنه علم بصدق حدسه وقوة نفسه أن مال أولاده إليها يؤول ، وأن حالهم بعد مماته سريعا تحول . فشرع الملك السعيد في إنفاقها وتبذيرها . وكانت وفاته في سنة 678 ه .

مختار الأخبار · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختار الأخبارص ٧٨