باب اسكندرونة ، خلف السور الذي كان السبيل هيتوم ، والد صاحب سيس ، قد بناه ، ثم رحل قريب المثقب ، وملكت العساكر جسر المصيصة ، وملكوا المصيصة ، وغلبوا على من فيها ، وقتلوا من وجدوه بها ، وغنم الناس مالا خصى كثرة ، وقتلوا من المواشي . ووصل إلى مدينة سيس ، فعدل عنها ووصل دربند الروم . وعاد وعيد بمدينة سيس ، ونهبت مدينة سيس وأهدمت وأحرقت ، وشوه منظر صاحبها وهتك ستر ستائره . ووصلت نعوت السلطان إلى أياس ، وتفرقت جيوشه إلى البرزين واذنه ، وقتلوا وغنموا ، وهرب من الأرمن جماعة ، فغرقوا . ثم وصل السلطان إلى المصيصة ، وأحرقها من الجانبين . ثم رحل وعبر على تل حمدون ، وعلى قلعة الثقيرة ، وعانت العساكر فيهما . وخرج من الدربندات ، وفرق الغنائم ، وما نسي صاحب علم ولا رب قلم . وعمل القاضي مائيي الدين بن عبد الظاهر في ذلك :
يا ملك الأرض الذى عزمه كم عامر للكفر منه خرب
قلبت سيسا فوقها تحتها والناس قالوا سيس لاتنقلب
وفي شهور سنة 674 ه ، فتح حصن القصير . وهذا الحصن لم يفتحه صلاح الدين ، وهو لمن يكون بابا روميه ، الذي هو خليفة الفرنج ، وأمره راجع إلى بطرك أنطاكية ، والفرنجية تميزه ، وكان أهله عند فتح أنطاكية سألوا الهدنة ، فأجيبوا إليها ، فما وقفوا عندها لأنهم أذلاء لصمغار ومن معه من التتار . وضربوا البشائر على الأصوار ، فأظهر السلطان لكليام النائب بالقصير الصافاة . وأرسل إليه الأمير سيف الدين الدوادار ، فأظهر غضبا
بكونه ماخرج للقائه ، وقصد الرجوع . فبلغ ذلك كليام ، فخرج إليه مسرعا ليسترضيه ، فاستدرجه الأمير سيف الدين في البعد عن القلعة بصورة امتناع من العود . ولما وصلوا كارشه ، وتسلمه واحد بعد واحد من الأمراء يكارشونه ، ويسلمون عليه ، حتى أخرجوه عن جماعته ، ولعب السيف بمن كان معه ، وأغلق باب الحصن . وأتى بكليام إلى السلطان ، وكان شيخا كبيرا . فتوجه به السلطان إلى دمشق ، فمات بها . ورتب عسكر الحصار على القصير ، فسلمه أهلها يوم الأربعاء ثالث وعشرين جمادى الأولى سنة 674 ه.
وفي يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة سنة 674 ه، وصل التتار إلى البيرة وحاصروها ، وكان مقدمهم أبطاي . فلما بلغ السلطان ، أنفق في العساكر المصرية والشامية بنفسه ، وأمرهم بسرعة التجهيز ، وخرج . ولما وصل إلى القطيفة ، بلغه أن التتار قد وهنوا وأن حركته قذفت الرعب في قلوبهم ، ورحلوا . فثنى العنان ، وعاد إلى دمشق وإلى الديار المصرية .
وفي ثامن شوال سنة 674 ه ، جرد العسكر لغزاة النوبة صحبة الأمير شمس الدين اقسنقر المفارقاني والأمير عز الدين الأفرم ، لأن داود ملكها كان
كثر فساده وأخذ مملكة مرتشكر ابن أخته ، فحضر إلى الأبواب السلطانية .
مستغيثا ومستصرخا .
فجرد السلطان الأمراء المذكورين والعساكر وأجناد الولايات والعربان ومرتشكر ابن أخت داود ، ووصلوا إلى التو ، فأغاروا على قلعتها ، فقتلوا وأسروا وغنموا . وكان بها قمر الدولة أي صاحب الخيل ، وكان قد ولي عوضا
عن نائب داود الذي وسطوه بالديار المصرية ، فأعطوه أمانا ، واستمر على نيابته . وحلف لمرتشكر المتوجه صحبة العسكر ، والتقوا الملك داود ، وبذلوا فيهم السيف ، ولم ينج منهم إلا من ألقى نفسه في البحر . وهرب الملك داود ، وأسر أخوه شنكو . وساقوا العساكر وراءهم ثلاثة أيام إلى أن مسكوا أم الملك داود وأخته . وترتب مرتشكر في البلاد ، وقرر عليه قطيعة في كل سنة وهي : فيلة ثلاثة ، زرافات ثلاث ، فهود أناث خمس ، صهب جياد مائة ، أبقار جياد مستحسنة أربعمائة ، وأن تكون البلاد مشاطرة : النصف للسلطان والنصف الآخر لعمارة البلاد وحفظها لاحتمال أن يطرقها عدو . وأن تكون بلاد العلى وبلاد الخيل للسلطان خاصة ، وهي قدر تبع البلاد النوبية ، لقربها من أسوان ، وأن يحمل ما يكون بها من الأقطان والتمر مع الحقوق الجاري بها العادة .