وفي سادس عشر من المحرم سنة 672 ه ، وذلك أن الأخبار تواترت بحركة أبغا ملك التتار . فكتب باستدعاء العساكر من الديار المصرية ، ورسم بأن جميع من في مملكته ممن له فرس ، يركبون للغزاة ، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من بينهم خيالة ، على قدر رجال أهل القرية ، ويقومون بكلفتهم .
ومسك ملك الكرج بالقدس الشريف ، لأن بلغه من القصاد حضوره للزيارة ، فأرصد له قوما يعرفون حليته ، فأمسكوه هو وثلاثة نفر ، وأتوا به الديار المصرية ، فطيب قلوبهم ، وأحسن إليهم .
وفي شعبان من هذه السنة ، رسم السلطان بعمارة جسرين قريبا من الرملة لعبور العساكر ، فعمرت بقناطر .
وفي هذه السنة ، جرد الأمير شمس الدين اقسنقر أستاذ الدار صحبة الملك السعيد ، وتوجه ليلة الثاني عشر من رمضان . ولم يعلم بذلك أحد. ولم بدر نائب السلطنة بالشام إلا وهو وسط الموكب بسوق الخيل . ودخل قلعة دمشق كما يدخل الممض بين الأجفان ، أو كما تعود العافية إلى جسد الإنسان .
وتوجه إلى صفد والشقيف . وعاد إلى مصر ، فوصلها في الحادي والعشرين [ شوال ] .
ما سمعنا من قبلهم بملوك تسبق الريح وفدهم حين يسرى
بينما قيل إنهم في شام وإذا هم يرون في أرض مصر
كيف راحوا ؟ وكيف جاءوا ؟ ترانا حيرة في أمورهم ليس ندري
أتراهم ملائك أم ملوك في عفاف وفي اختفاء ونصر
وفي هذه السنة ، رسم السلطان لعيسى بن مهنا بالإغارة ، فوصل إلى الأنبار ، ووجد بها جماعة من عسكر التتار ، فتوهموا أن السلطان دهمهم ، فعدوا إلى البر الآخر . واقتتل عيسى وخفاجة ، وانهزم أبغا ناكصا على عقبة خيفة وذعرا .
ومنها أن الغرس بن شاور ، وإلى الرملة ، أرسل كتابا يذكر فيه أنه حصل لأهل البلاد مرض ومات من شرب مياه الآبار ، فحضر رجل نصراني فقال : هذه الآبار قد حاضت كما جرى في السنة التي جاء التتار فيها إلى الشام ، وأن الفرنج نفذوا إلى قرية تسمي عابود في الجبل ، أخذوا من مائها وسكبوه في الآبار ، فزال الوخم . وفعل ابن شاور كذلك ، فزال الوخم . وكان الماء قد كثر فيها ، فلما سكب فيها من ماء عابود ، نقصت إلى حدها . وقيل إن هذه الآبار إناث تحيض وآبار الجبل ذكور .
وفي هذه السنة ، رقت رؤساء الشواني من عكا . وهو أنه لما انكسرت الشواني الإسلامية على قبرس ، طلع الرجال إلى البر ، فأسرهم الفرنج ، وأرسلوا رؤساء الشواني الإسلامية إلى عكا ، فاعتقلوا بها . وسير السلطان الأمير فخر
الدين بن المقرى الحاجب إلى صور لابتياعهم ، فتغالى الفرنج فيهم ، وقالوا : هؤلاء جمرة البحار وفرصة الأعمار . وكانت عدتهم ستة نفر ، وأودعوهم حبسا حصينا في قلعة عكا . فأرغب النائب بصفد وهو سيف الدين خطلبا ، الموكلين بهم بالمال حتى دخل إليهم بمبارد ومناشير ، وسرقوا من جب القلعة ، وأخرجوا في مركب مهيأ لهم . وكانت لهم خيل واقفة معدة ، فركبوها ، ووصلوا إلى القاهرة . وقامت في عكا فتنة بسببهم .
وفي هذه السنة ، ورد كتاب صاحب الحبشة واسمه مخرى ملاك ، بطلب مطران . ومحرا أقليم من أقاليم الحبشة ، وهو الأقليم الأكبر ، وصاحبه يحكم على أكثر الحبشة السحرت . وصاحب البلاد المذكورة يسمى خطى ، وهو الخليفة ، وكل من ملكها يسمي بهذا النعت . والطريق إلى أحرا من مدينة عوان وهي ساحل بلاد الحبشة . وأجابه السلطان إلى ذلك ، وأرسل إليه مطرانا حسب التماسه .
وفي سنة 674 ه ، توجه عسكر حلب وأغاروا على بلاد سيس ومرعش ، وقلعوا أبواب ربضها . وغرق ربيعة بن الطاهر بن غنام في غير هناك . فإن صاحب سيس قد قطع الهدايا المقررة عليه ، وخالف شروط الهدن . فعادت الموادعة منازعة والهدنة أهنة . فخرج السلطان في ثالث شعبان من هذه السنة ، ووصل إلى دمشق في سلخه ، وخرج عسكر الشام في سابع رمضان سنة 673 ه ، وجرد عيسى مهنا بن عيسى وحسام الدين العينتابي إلى جهة البيرة ، في صورة جاليش العسكر ، فوصلوا إليها . ولما وصل السلطان إلى نيرب سمين ، رحل منه على جهة الدريساك ، ومهد جوانب النهر الأسود ، وقطعته العساكر والكتائب ، وحمل معه المراكب لأجل التعدية ، ونزل داخل