ولما بلغه أن التتار تواعدوا مع الفرن الساحلية ، وأغاروا على الساجور قريب حلب ، وأخذوا مواشى العربان ، توجه في جماعة يسيرة من قلعته ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول من السنة المذكورة ، وأراح العساكر بالديار المصرية ، ووصل غزة ومنها إلى دمشق . وكان وصوله إليها سابع ربيع الآخرة . ولما سمع التتار بوصوله انهزموا .
وفي هذه الدفعة ، أغار السلطان على عكا لأنه بلغه أنه حضر إلى عكا سفائن فيها جماعة من الفرنج الغرب ، وذكروا أن الريدراكون أحد ملوك الغرب واصل إليهم ، وتوجهت له إلى ابغا بن هلاكو بأنه واصل لمواعدته . واتصلت الطرقات بينهما من جهة سيس . وصار الفريج الغرب يخرجون هم وأهل عكا ، ويركبون بظاهر عكا ، وتعجبهم نفوسهم . وبلغهم قلة من وصل مع السلطان إلى الشام ، وتوهموا أنه لا يقصدهم . فخرج على أنه يتصيد في مرج برغوت . ولما وصل إلى برج الفلوس ، أحضر العدد والآلات والعسكر
الشامي ، وركب وصابح الفرنج . فخرج كندوفير المسمى زيتون وأخوه وجماعة من الفرنج. وأسر ابن أخت زيتون ، وقتل نائب فرنسيس ، وجماعة من الخيالة . ولم يعدم في هذه الغارة من الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطونبا الفائزي . وعاد السلطان إلى دمشق ، ورؤوس القتلى قدامه . وتوجه إلى حصن الأكراد في عدة قليلة . فخرج جماعة من الفرنج ملبسين ، فحمل فيهم وقتلهم ، ورعت الخيول مروجها وزروعها ، وعاد عنها .
وفي شهور 668 ه ، حصل الاستيلاء على بلاد الاسماعيلية ، لأنه كان أبطل رسومهم ، وأخذ الحق من مراكبهم ، ورسلهم ، وكسر شوكتهم ، وضايقهم ، ولم يحضر أحد منهم . وكان صارم الدين بن الرضى ، صاحب القليعة قد حضر إلى الخدمة ، وقلده السلطان بلاد الدعوة استقلالا ، وعزل نجم الدين الشغراني وولده عن نيابة الدعوة . ونعت صارم الدين بالصحوبية على عادة نواب الدعوة . وسير السلطان معه عسكرة إلى مصياف في العشر الأوسط من رجب ، وتسلمها ، وهي كرسي مملكتهم ، وبها مقر الفداوية ، ومصياف هذه كثيرا ما تكتب بالثاء المثلثة ، وقبل إنما سمي هؤلاء بالاسماعيلية لأن جماعة منهم ينتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق .
وفي العاشر من جمادى الآخرة سنة 669 ها، توجه السلطان إلى دمشق هو والملك السعيد ولده . وأغار على المرقب ، وقتل وأسر وأخذ صافيتا بالأمان من الفرنج .
وفي شهر شعبان سنة 669 ه ، فتح حصن الأكراد بعد مقاتلة الفرنج
وطلبهم الأمان .
وفي العشرين من رمضان سنة 669 ه ، فتح حصن عكار ، وهو أنه لما توجه إليها ، ومهد الطرقات ، ورتب طلوع المنجنيقات ، فطلب الفرنج الأمان ، فأمنهم .
وفي سلخ الشهر المذكور ، جهزهم السلطان إلى مأمنهم . وقال في ذلك القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر : :
يامليك الأرض بشراك فقد نلت الإرادة
إن عكار يقينا هي عكا وزيادة
ولما عيد السلطان عيد رمضان ، قصد طرابلس بالجيوش الملبسين . ولما نزل بها ، أرسل البرنس يطلب الصلح . فأجابه السلطان وحلف له ، وكتبت الهدنة لمدة عشر سنين وعشرة شهور وعشرة أيام .
وفتح الغليقة من الاسماعيلية لأنه رسم للعسكر الذي ببلاطنس بمنازلتها ، فنازلوها في شهر شوال ، وتسلموها في الحادي عشر منه .
وفي تاسع شوال كان بدمشق سيل عظيم وقت الظهر أتى على كل شيء فجعله كالرميم . وطلع في سور دمشق قدر مح ، وأغرق من الحيوانات شيئا كثيرا ، ودخل المدينة ، فأفسد بها عدة أدر . ويقال إنه هلك به عشرة آلاف نفس . وأخذ الطواحين بحجاراتها ، واقتلع الأشجار من أصولها ، وما علم من أي جهة كان اجتماعه ، ولا أين ذهب . وبعد وقوعه بأيام ، دخل السلطان
دمشق فلم يجد بها ماء ولا حماما دائرة ، وشرب الناس من الصهاريج والآبار ، فسبحان من أفاضه ثم أغاضه .
وفي ذي القعدة سنة 669 ه ، فتح القرين . وكان لاسبتار الأمن ، ولم يكن لهم بالساحل غيره . وكان نازله ، فطلبوا الأمان ، فأمنهم بعد أن قرر معهم أنهم لا يستصحبون مالا ولا سلاحا ، وهدمت قلعته .