وأغار على صور ، وتسلم بلا طنس من عز الدين صاحب صهيون ، وقرر له عوضا عنها بلادا من بلد صهيون .
وفي تاسع جمادى الأولى من هذه السنة ، رسم بإبطال الخواطيء من القاهرة ومصر . وطهرت منهم ، وكذلك الديار المصرية .
وفي الحادي والعشرين من شعبان ، وردت الأخبار بأن زلزلة عظيمة حدثت في بلاد سيس ، وأخربت قلاعها مثل سرفندكار وحجر شغلان ، وقتلت جماعة .
وفي الشهر المذكور ، [ سارت ] الغيارة من البيرة وغيرها إلى جهة كركر ، فأحرقوا بلدها ، وأخذوا مواشي . وتوجهوا إلى قلعة بين كركر والكختا اسمها شرموساك ، فزحفوا عليها ، وقتلوا رجالها ، ونهبوا من المواشي شبئا كثيرا ، وأخرجوا من الفلاحين خلقا كثيرا .
وفيها انفرد الشريف نجم الدين أبو نمي بإمرة مكة ، وأخرج عمه بهاء
الدين إدريس بن قتادة . ووردت كتبه إلى السلطان بأنه خطب له . فكتب له تقليد الإمرة .
وفي سنة 667 ه، توجه إلى الحجاز الشريف من الشام . ولما عزم على الحج ، عين جماعة يتوجهون معه . ولم يجر أحد [ أن يتفوه بأنه متوجه إلى الحجاز الشريف حتى أن جمال الدين بن الداية الحاجب قال : « اشتهي أتوجه صحبة السلطان » ، فأمر بقطع لسانه . ورحل من الفوار يوم الخميس خامس والعشرين من شوال . ووصل إلى الكرك مستهل ذي القعدة . وتوجه إلى الشوبك في السادس منه . ورحل متوجها في حادي عشره . وفي الخامس والعشرين منه رحل ، ووصل الميقات ، فأحرم ، وقدم بمكة خامس ذي الحجة . وبقي كأحد الناس لا يحجبه أحد ، وغسل الكعبة بيده ، وحمل الماء في القرب على كتفه ، وغسل البيت . وبقي في وسط الخلائق . وكل من رمي احرامه إليه ، غسله له بما ينصب من الماء في الكعبة . وجلس على باب الكعبة ، فأخذ بأيدي الناس ، وتعلق أحد العوام بإحرامه فقطعه وكاد يرميه إلى الأرض . وسبل البيت الشريف لسائر الناس . وكتب إلى صاحب اليمن كتابا يقول فيه : سطرتها من مكة ، وقد أخذت طريقها في سبع عشرة خطوة يعني بالخطوة المنزلة . وقضى فرض حجه كما يجب ، وحلق ، ونحر ، وأحسن إلى أمير مكة ، وإلى صاحب ينبع ، وصاحب ليص ، وزعماء الحجاز . ورتب شمس الدين مروان نائبا بمكة عند أميرها . وخرج من مكة في الثالث عشر من ذي الحجة ، ووصل المدينة في العشرين منه . وأجد السير ، فوصل الكرك بكرة الخميس سلخه . ولم يعلم به أحد إلى أن وصل قبر جعفر الطيار . ودخل الكرك
لابسا عباءة ، وراكبا هجينا . فبات بها ليلته تلك . وأصبح متوجها منها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة 668 ه، فجمل القاضي محي الدين بن عبد الظاهر أبياتا منها :
بينا تراه في الحجاز إذا به في الشام للحج الشريف يقدس
وتراه في حلب يدبر أمرها وتراه في مصر يذب ويحرس
ويلوح في حج عليه عباءة ويلوح في غزو عليه الأطلس
ولما وصل إلى دمشق ، حضر إلى الميدان بغتة ، ولم يلبث بل ركب في نهاره ، وتوجه إلى حلب . وحضر الناس عشية النهار إلى الخدمة ، لم يجدوا أحدة . ودخل السلطان حلب والأمراء في الموكب ، فما عرفه أحد ، وبقى ساعة حتى عرفه الصروي .
ثم نزل بدار نائب السلطنة ، ومشاهد القلعة ، وعاد منها . ولم يدر به أحد. ووصل إلى دمشق في ثالث عشر المحرم . ولعب الكرة ، وتوجه في الليل إلى القدس الشريف والخليل ، فزارهما . وكان العسكر المصري قد سبقه صحبة الأمير شمس الدين اقسنقر أستاذ الدار إلى تل العجول . وحضر السلطان إليها . وكان قد صلى الجمعة في الكرك ، والجمعة الثانية في حلب ، والجمعة الثالثة في دمشق . وحضر إلى تل العجول ، وذلك كله في عشرين يوما ، وما غير عباءته التي حج فيها . ودخل قلعته في الثالث من صفر . وفي ثاني عشره ، توجه إلى
ثغر الاسكندرية . وفي طريقه دخل البرية ، وضرب حلقة على الكحيليات ، فأحضر إلى الدهليز ثلاثمائة غزال ، وخمس عشر نعامة ، فأعطى عن كل غزال بغلطاق مفري بسنجاب ، وعن كل نعامة فرسا ثمينا مسرجة ملجم . ودخل إلى الاسكندرية في الحادي والعشرين من الشهر . ونزل بالليونة ، وابتاعها من وكيل بيت المال ، وعاد إلى القلعة في ثامن شهر ربيع الأول ..