واصطلح السلطان مع التكفور بن هيتوم ، صاحب سيس ، وأطلق ولده عند إحضار شمس الدين سنقر من التتار ، وبعد أن سلموا للسلطان قلعة بهنسا والدرساك ومرزبان ورغبان والرزب وسبخ الحديد . وكتبت الهدنة بذلك في شهر رمضان بأنطاكية .
ولما أعطى السلطان أفرير ماهي صافاج الأمان على صافيتا وأنطرسوس ، ستم جبلة ، فتسلمها النواب منه في شهور السنة المذكورة .
ووصلت رسل أوك بن هري صاحب قبرس وعكا عند غزاة
السلطان من أنطاكية ، ورجوعه إلى دمشق . وتقرر الاتفاق بين السلطان وبينه على عكا وبلادها ، وثلاثين ضيعة ، وأن حيفا تكون للفرنج ، ولها ثلاث ضياع، وبقية بلادها مناصفة ، وعتليت يكون لها خمس قرى ، والباقي مناصفة ، وللقرين عشرة قرايا ، والباقي للسلطان ، وبلاد صيدا الوطأة للفرنج والجبليات للسلطان . واتفق الصلح على مملكة قبرس ، وأن تكون الهدنة لعشر سنين . وسير السلطان إليه هدية عشرين نفرا من أساري أنطاكية قسيسين ورهبانا .
ووصلت رسل من ابغا ملك التتار إلى السلطان ، وكتب لهم جواب
الكتب التي سيروها .
وفي هذه السنة ، توجه السلطان إلى الديار المصرية خفية . ورجع إلى المخيم بخربة اللصوص لأنه كان ادعى الضعف ، ودعا بالأشربة والأدوية من دمشق . وكتب إلى النواب بالشام بأن يكاتبوا الملك السعيد ، ويعتمدوا على أجوبته . ورتب أنه كلما جاء بريد يقرأه عليه الأمير سيف الدين [ بلبان ] الرومي الدوادار . وتخرج علائم على دروج بيض تكتب عليها أجوبة البريد . واستقرت هذه القاعدة أياما . وتقدم إلى الأيدمري وجرمك الناصرى بأنهما يتوجهان إلى حلب على خيل البريد . ولما ودعاه ، أوصاههما أن يحيدوا إذا ركبوا إلى خلف الدهليز ليتحدث معهم مشافهة . وجهز معهم أقسنقر الساق في البريد . ولبس السلطان جوخة مقطعة ، واعتم بشاش دخاني عتيق ، وأراد أن يخرج ولا تعلم به الحراس . فوجد قماش نوم الأحد المماليك ، فحمله ومشي به ومعه بعض الخدام على أنه واحد من البابية . وخرج وتوجه
واستصحب معه أربعة جنائب ، والثلاثة الأمراء المذكورين ، وعلم الدين شقير البريدي . ووصلوا إلى القصير المعيني نصف الليل . فدخل السلطان إلى الوالى ليأخذ فرسه ، فهاوشه رجاله ، ومنعوه من ذلك . وتوجه إلى بيسان ، وقعد عند رجلى الوالى وهو نائم ، وطلب منه كوزة . فقال له الوالي : « إن كنت عطشانا ، فاخرج اشرب من با ، وأغلظ عليه . وأحضر الأمير بدر الدين كرازا فشرب ، ثم ساروا ، فصاحوا جينين . ونزلوا على تل العجول . وبقي كل منهم ماسكا فرسه ، وركبوا منها ، ووصلوا إلى العريش . فقام السلطان وجرمك الناصري ونقيا الشعير الذي علقاه على الخيل ، وقال للأيدمري : أين السلطنة وأستاذ الدار وأمير جاندار ؟ وأين الخلق الواقفون في خدمتنا ? هكذا تخرج الملوك من مالكها ، وما يدوم إلا الله سبحانه ! ووقفت منهم الجنائب التي كانت على أيديهم ، ولم يبق إلا الجنيب الذي كان على يد السلطان . وكان وصولهم إلى القلعة في ثالث يوم . وأوقفهم الحراس على مشاورة والى القلعة عليهم على العادة . ونزل السلطان في باب الاسطبل الجواني ، وطلب أمير آخور ، وكان قد ب مع زمام الأدر ، أنه مادام مسافرا ، لا يبيت كل ليلة إلا خلف باب الستر . وقرر معه أمائر وعلامات لا يطلع عليها غيرهما ودق باب الستر ، فأحس به الطواشي ، وذكر تلك العلامات ، وفتح له وأحضر الأمراء الثلاثة رفقته والبريدي إلى باب السر . وأقام الثلاثاء والأربعاء والخميس لا يعلم به أحد ، ولا ولده الملك السعيد إلا زمام الأدر فقط . وهو كل يوم يتفرج على الأمراء إذا ركبوا في سوق الخيل . وفي يوم الخميس ، خرج
الملك السعيد ليركب الموكب ، فقدم أمير اخور فرسأ للملك السعيد ، وفرسا للسلطان . ولما أحس الملك السعيد به ، خاف وذعر ، ثم إنه لما عرفه ، قبل الأرض بين يديه . وركب السلطان الفرس الذي قدم له ، وخرج بغتة والوقت بقلس . فأنكر الأمراء ذلك . ولما تحققوا ، قبلوا الأرض . وعاد من الموكب إلى القلعة . وأقام الخميس والجمعة . ولعب يوم السبت الكرة . وتوجه إلى مصر في الحراريق ، ثم سافر ليلة الاثنين على البريد . ولما قربوا إلى الدهليز ، رد الأيدمري وجرمك إلى خيامهما . ودخل من باب ستر الدهليز . وركب عصر يوم الجمعة . وحضر الأمراء إلى الخدمة ، وضربت البشائر .