وفي الخامس والعشرين من شوال ، استقل الركاب الشريف من دمشق ، ووصل إلى القاهرة المحروسة ، ودخل من باب النصر ، وشق في وسطها . وكانت قد زينت زينة ماراها الراؤون ، ولا روي كأخبارها الراوون . وصلى بتربة والده السلطان الشهيد ، وشمل الفرح بسلامته وصرته القريب والبعيد . وكانت مدة غيبته وأوبته ثمانين يوما ، فيها توجه إلى الشام ، وكسر التتار ، وعاد إلى قلعته . وقد كان السلطان استصحب في سفرته هذه مولانا الخليفة أبا الربيع سليمان الملقب بالمستكفى بالله أمير المؤمنين ، على سبيل التبرك بمسيره . ولما عاد السلطان ، صار الخليفة يركب معه الميدان ، ويحضر معه لعب الصولجان ، وأبان بذلك عن جزيل الفضل والامتنان . وذكر الشعراء هذه النصرة ، ونظموا فيها
الأناشيد ، وقالوا فيها كل قصيد كالدر النضيد . وقد أوردنا بعض مامر بنا من ذلك ، إذ ليس الغرض الإطالة بكثرة الأشعار ، بل الغرض إنما هو الإيجاز والاختصار . فمن ذلك ما قاله عبد الواحد التبريزي الخطيب بعجلون ، من قصيدة أولها : شعر
الله أكبر جاء النصر والظفر والحمد الله هذا كنت انتظر
ومنها :
أين النجوم وتأثير القران وما تخرصوا فيه من إفك ومازجروا
قد دبر الله أمرا غير أمرهم وخاب مازخرفوا مينا وماهجروا
ومنها :
كنانة اللله مصر جندها نثلت لاريب فيه وجند الله منتصر
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم وهجروا في طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينة في الله مارقدت أكرم بقوم إذا نام الوري سهروا
ومنها :
وأوجفوا فرا بالحيل ملجمة وبالركاب وما ملوا ولا فتروا
حتى أتوا خلقة في يوم ملحمة فيه الأسود أسود الغابي تهتصر
ومنها :
قولوا لغازان ياذا ما لعلك أن تروغ عن مخلب الرئبال يائف
ومنها :
جاءوا وقد حفروا من مكرهم قلبا ألقاهم الله قسرة في الذي حفروا
ومنها :
أتموا الفرات وقد راموا النجاة فكم حلت بهم يعبر فيها وما عبروا
مرائر القوم من خوف قد انفطرت والكل من قبل عيد الفطر قد نحروا
ومنها :
وكل ذنب جفاه الدهر معتمدا في جنب ما أبقت الأيام مغتفر
وذكر كون الخليفة مع السلطان ، فمنها :
به إلى الله ضجوا في حوائجكم وبعده بالمليك الناصر انتصروا
ملك أعيد به عصر الشباب لكم مسترغدا ضافنا واستؤنف العمر
ومنها :
وافاكم لعزيز النصر في نفر وقاهم الله ما أوفاهم نفر
كم فرجوا مأزقا ضنكا بمعتزل وكابدوا في مجال الموت واصطبروا
فبيض الله منهم أوجها كرمت فإنهم بالأيادي البيض قد غمروا
قال المصنف ، ووافي إلينا من الديار المصرية جواب عن كتاب صدر ما بالبشرى إلى نوابنا ، تضمن أبياتا أرسلها مسطر تاريخنا هذا ، لأنه كان من الزامنا .
وهي :
لقت مقرة برا وبحرا وعزمك ماضيا شام ومصرا
وفكرك ثاقب في كل أمر ورأيك أسعد الآراء طرا
وما سارت ركابك في جيوش قسمتهم يد العدوان قسرا
ولا كنت المقدم في خميس فعاد . بخيبة أو خاف كسرا
ولا وليت عن حرب هزيما ولو كان اللقاء بجيش كسري
ولا صاحبت ركبة في مسير فنال مشقة أو ذاق غسرا
وجدك سعده أبدا جديد وسعدك جالب للترك نصرا
وحدك في محاربة الأعادي يبدد شملهم قتلا وأسرا
وحزمك دائما في كل خطب يفرج كربة ويزيل ضرا
وهمتك التي شاعت وذاعت تزيل ملمة وتسد ثغرا
ووجهك حيثما وجهت يجلو دياجير الوغى وينير بدرا
نهدت إلى الحجاز فكنت غيثا فكم أطفأت حين أطفت جمرا
وسرت إلى الشام فكنت غوثا رفعت مذلة ووضعت إصرا
فعام فيه حج جاء زجرا وعام فيه غزو كان أحرى
كذا كان الرشيد وأنت حقا رشيد الأمر في دنيا وأخرى
واعتقت الخلائق من عدو شديد رام أخذ الملك قهرا
عدو غره أمل كذاب فكان على الحقيقة فيه خيرا
وغرته السلامة عام تسع وتسعين فظن الريح زمرا
توغل في البلاد وليس يدري بأن أمامه أسد هزبرا