له رأي يعادل ألف ألف وصبر ثابئ ناهيك صبرا
وقصد خالص لا غش فيه نواه لربه سرا وجهرا
وبايع نفسه بيعا صحيحا ليشى جثة بالروح شري
وصمم لا راح له فإما نجاحا أو نيل النفس عذرا
فعامله الإته بما نواه وأذهب عن جميع الخلق شرا
وجاد بأنعم عظمت فلسنا وفي حقها حمدا وشكرا
فكم فيها لأهل الأرض أمن أعاد سلامة وأزال عرا
وكم خير عميم للبرايا ولطيف ليس نبلغ منه حصرا
وكم لك فيه من حظ جزيل وصييت يملأ الآفاق عطرا
وكم لك من يد بيضاء بنت أجالت في العدا بيضا وسمرا
وكم من كسرة فيهم توالت فالت في جميع الناس جبرا
أتت بشراك مولانا إلينا فكانت للخلائق خير بشري
لأن الخلق كانوا في هموم كأن بهم من الأوجال سكرا
فأول قادم وافي بخير كتابكم الذي سري وسرا
ومنه كان نشر النصر بدية بمصر كلها بطنا وظهرا
أتى ظهرا من الأحد المهني فأظهر فرحة إذ جاء ظهرا
ومذ وافي نهارا فهو شمس ولو وافي بليل كان فجرا
وأخبر عن عدو الدين، أمرا حقيقا لا يزيد عليه خبرا
برج الصفر اجتمعوا فراحوا لحينهم من الأرواح صفرا
وأمرهم به أضحى مريجا ووردهم المكدر كان مرا
وجاءوا في جموع ليس تحصى ألوف طبقت سهلا ووعرا
فصاروا كلهم للوحش قوتة وأشبع لحمهم في الجو نسرا
وشتت شملهم . ضريا وطعنا مليك ينشر الأعلام صفرا
إذا ما أورد الرايات صفرا صدرن من الدماء الحمر خمرا
وقرت أعين وهدت قلوب وأكباد من الأشجان حري
فبادرنا السجود وأى شكر يوازي هذه الألطاف قدرا
وجاءتنا البشائر مسرعات فأذهب بشرها كمدا وفكرا
فندعو الله في قرب التلاقي لكي نوفي لرب العرش نذرا
كلاك الله بالأملاك حفظا وصانك دائما سفرا وحضرا
ووصلنا القاهرة المحروسة ، فأقمنا بها ، وقد أذهب الله عنا الحزن ، وضاعف لدينا المنح والمنن . وفي ليلة الجمعة عاشر ذي الحجة ، توفي كتبغا المنصوري بحماه ، ونقل إليها سيف الدين قفجاق من الشوبك عوضا عنه .
ولما كان بكرة يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وسبع مائة ، حدثت زلزلة عظيمة بالقاهرة ومصر والديار المصرية ، والبلاد الشامية والاسكندرية حتى انهدم منها المنار ، وتشعشت الأسوار ، وذلك في أقسام الساعة الأولى ، لم ير مثلها في سالف الأزمان ، وأثرت آثارا ظاهرة بكل مكان ، وهدمت من الأبنية شيئا حتى ظنها الناس قيام الساعة . وكان لها دوي يسمع ، وجرس يصدع ، واضطراب للقلوب يقرع . ولم يبق بالقاهرة ومصر مكان إلا وفيه دور قد سقطت ، وأركان قد انفتحت ، وجدران قد تهدمت أو تشققت . وأما ببلاد الريف ، فتقطعت الجسور ، وتشققت الصخور ، وتفطرت الأرض ، فكم زئى بها من فطور ، ونبعت المياه في أراضي الخروس ، وجرت منها أعين ، وامتلأت برك ، ومنها ما فار ثم لوقته غار ، ولم يبق منه سوى الآثار ، ومنها ما بقي أياما ، وشاهده الناس عيانا ، وسقط الكثير من المواضع والمساجد والجوامع ، حتى أن السلطنة قررت على الأمراء مقدمي الألوف ، وأصحاب الطبلخانات ، وأرباب العشرات ، مالا برسم عمارتها ، وتحصيل التها ، فكان الذي خص كل أمير عدته عشرة فوارس خمسمائة درهم ، وعلى هذه النسبة
وزعت ، ومن الأمراء المقدمين طلبت . ووصلت أخبار ثغر الاسكندرية بأن هذه الزلزلة هدمت أكثر أبراجها وأسوارها ومواذنها ومنارها ، وتفطرت الصهاريج في بعض أماكنها ، وسقطت عدة من مساكنها . ووصل ...