وعجاج العدو قد سود وجه النهار ، ولاح سوادهم من جهة جبال الكسوة كقطع الليل ، أو كمد السيل ، وكان السبب في هجومهم ، وعجل قدومهم أنهم أمسكوا رجالة في الطريق فسألوهم عن أخبارنا ، فقالوا لهم إن السلطان ما حضر بعد ، وأن العسكر ولوا مدبرين ، فساقوا عند ذلك ، فأداهم ذلك المساق إلى السياق ، وقادهم ذلك الإقدام إلى زلزال الأقدام ، فجاءوا إلينا بجيشهم اللجب ، وجمعهم الذي كاد منه ضياء الشمس يحتجب ، فلم يكن بين وصولهم ووصول السلطان إلا كلمحة طرف أو خطة حرف . وكان التتار في الترتيب وصورة التطليب اثني عشر تومانة ، لكنهم على التحرير كانوا يكونون تسعة ثمانات كاملة . وكان فيهم من مشاهير مقدميهم قطلوشاه وين ، وسوتاي اقطاجي ، وجوبان بن داون ، ومولاي وقرمشي بن الناق ، وطوغان ، وشبوشي بن قطلوشاه ، وطغرل بن أجر ، وابشقا ، وأولاجعان ، وألكان ، وطيطق . وعدوا نهر الكسوة ، وطلبوا كتف المصري حسام الدين استاذ الدار ، والأمير مبارز الدين بن قرمان ، وأيدمر النقيب ، وأيدمر الرفا ، وأيدمر القشاش ، وأقوش الشمس الحاجب ، وسنقر الكافرى ، ومن العسكر المنصور تقدير ألف فارس من رجال الحلقة ، وماليك الأمراء وغيرهم ، كلهم في ساعة الصدمة ، وحالة الهجمة ، وفازوا بمنازل الشهداء، ونالوا مراتب السعداء . ولما عاين الذين في القلب ما أصاب الميمنة ، أردفوهم وهم : الأمير سيف الدين سلار ومن ذكرناه معه من الأمراء ، ثم أردفت الميسرة القلب ، وتكردست العساكر بعضأ يتلو بعضا ، وصاروا كأنهم بنيان مرصوص لا يستطيع الدهر له نقضا . فلما شاهد العدو تلك الجيوش الممتدة ، والجنود العظيمة العدة
والعدة ، وتقدموا إليهم ، وبذلوا السيوف فيهم ، فانكسروا لوقتهم ، وولوا مدبرين ، وانقلبوا خاسرين ، وفر أكثرهم في تلك العشية مع مولاي . وكان ذلك في يوم السبت الثاني من شهر رمضان ، وأتى المسلمون عليهم ، ونهضوا إليهم ، ونالوا منهم قتلا وسلبا ، وأسرة ونهبا . ولجأت الطائفة التي صدمت الميمنة إلى جبل غباغب ، وباتوا به ليلتهم تلك ، وأوقدوا حولهم نارا ، ولم يزالوا على كرسي إلى صباح الأحد الثالث من شهر رمضان ، فأحاطت بهم العساكر المنصورة ، وناوشتهم القتال من باكر إلى قريب الظهر ، فعطشت خيولهم ، واضطربت عقولهم ، وتسلل إلينا منهم أقوام ، وأخبرونا بأنهم لما ضاق بهم الأمر ، وأحاط عليهم العسكر حوطة الحصر ، جاء جوبان أحد مقدميهم إلى قطلوشاه ، وقال له : أريد أن تعطيني عسكرا أهجم به على المسلمين ، فما وافقه على ذلك ، فعاتبه وقال له : أنت الذي عزوتنا وسقتنا إلى هاهنا ، وخالفت ما رسم لك به قازان ، فإنه لم يأمرك بالتقدم إلى هذا المكان ، بل أوصاك أن تقيم بحمص ولا تتعداها ولا تتقدم إلى مكان سواها ؛ وضرب فرسه وولي عنه ، وجمع أصحابه ، وحملوا على كمية ، ونزلوا من الجبل طالبين طريق الرحبة ، ونزل من بعده أبشقا ومن معه في طلب ثاني ، وتبع أصحابه غير واني . وأما قطلوشاه وطيطق ومن كان معهم ، فإنهم نزلوا بعد ذلك قوما تلو قوم ، وأمهلهم المسلمون ريثما تقدموا ، ثم ركبت أكتافهم العساكر ، وحكموا في هامهم البواتر ، ولم يزالوا يوسعونهم قتلا إلى أن دخل الليل ، وتمكن من عدو الدين الذل والويل ، ورجع المسلمون مظفرين ، وعلى الأعداء منتصرين . ثم إن مولانا السلطان جهز البعوث في آثارهم ، فتبعوهم إلى أن تجاوزوا الرحبة ، وقد تمزقوا كل ممزق ، وتشتت شملهم وتفرق . وبلغني أن الذين عدوا منهم بحر الفرات غرق أكثرهم ، ولم ينج منهم إلى بلادهم إلا القليل لأنهم هلكوا عطشا وجوعا . ووصل قاصد وأخبر بأنه لم
يصل إلى بلادهم من كل تومان إلا شرذمة يسيرة ، وعدة حقيرة . ثم تحقق الخبر بأنه لم يصل إلى بلادهم إلا زهاء ثلاثين ألفا لا غير . وفي وقت وصولهم إلى قازان ، ورد عليه الخبر بأن قيد وجرد أخا نوروز إلى خربندا أخي قازان ، فكسره أخو نوروز المذكور بخراسان ، وجاءته رسل طقطاي تطلب منه توريز وبلادها ، وإلا الاستعداد للملتقى . فتواترت أنكاده ، وتناقصت أعداده . وفي الخامس والعشرين ، وصل الركب السلطاني إلى دمشق ، فخرج أهلها كافة الاستقباله بعد نصرته على التتار ، وفرحوا بإيابه إليها واستقلاله . وكان يوما مشهودا ، ومن جملة الأعياد معدودا . وجهز السلطان إلى قازان كتابا يذكره فيه ، ويعرفه أن مكر الله به كان خيرا من مكره ، ويوعز إليه بأن يرسل الرسل الذين عنده ، ولا يحوج بسببهم إلى كتاب آخر بعده .