تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ﴿مرتين﴾، منصوب من وجهتين: إما على المصدر، وإما على الظرف الزمان 181 - والمراد بتعذيبهم مرتين موضع خلاف؛ فقد قيل: المراد التكثير وليس التثنية؛ فيكون المعنى: سنعذبهم مرة بعد مرة - وقيل: المراد التثنية؛ فيكون المراد بالمرة الثانية عذاب القبر، أما المرة الأولى فالمراد بها فضيحتهم ووصمهم بالنفاق، فقد أخرج الطبري في الأوسط وغيره عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا فقال: (قم يا فلان فاخرج فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق، فأخرجهم بأسمائهم، ففضحهم ولم يك عمر بن الخطاب شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم منه، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل المسجد فإذا لم ينصرفوا - فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله تعالى المنافقين اليوم؛ فهذا هو العذاب الأول، والعذاب الثاني هو عذاب القبر.

قوله: ثم يردون إلى عذاب عظيم} وذلك يوم القيامة؛ إذ يصير المنافقون الذين آمنت ألسنتهم، ولم يفض الإيمان إلى قلوبهم؛ بل أفضى إليها الغش والكيد وسوء النية -يصيرون إلى النار 182.

102 - (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخرون سيئا عيسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ ﴿آخرون﴾ معطوف على ﴿منافقون﴾ وقيل: مبتدأ، وخبره جملة ﴿خلطوا﴾ 183.

وهذه طائفة من المسلمين، من ضعاف العزائم والهمم في أمر دينهم - إذ لم يكونوا منافقين تماما كالذين تخلفوا عن الجهاد تكذيبا؛ لشرع الله وشكا في الدين ورغبة عن رسول الله - ليس هؤلاء كأولئك؛ بل إن هؤلاء تخلفوا كسلا ورغبة في الدعة والاسترخاء والراحة مع إيمانهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق - وأن ما جاءهم به لهو من عند الله وأنه حق - وهؤلاء قد أقروا بذنوبهم التي اكتسبوها وكان لهم في مقابلتها أعمال أخرى حسنة فاختلطت حسناتهم وسيئاتهم - وأمثال هؤلاء مردهم إلى رحمة الله وعفوه.

وقيل: المراد بهم أناس معينون تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغش والنفاق؛ بل على سبيل الضعف وتعثر الهمة فقط؛ فقد تخلف هؤلاء عن الذهاب إلى تبوك، ثم غشيتهم بعد ذلك غاشية من التوبة الصادقة والندم الأسيف حتى أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم - فلما رآهم قال: (من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟) قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت تطلقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم) - فأنزل الله تعالى الآية - فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم 184 وفي رواية أخرى أنهم كانوا ثلاثة - وأخرى أنهم ثمانية - وهذه الآية وإن كانت في أناس معينين لكنها تعم بفحواها كل المذنبين المقصرين الذين قعدوا عن أداء الواجب كسلا وتهاونا واسترخاء، وخلطوا أعمالا حسنة بأخرى سيئة.

قوله: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ عسى من الله واجب كما قال ابن عباس - والصحيح أنها لفظة {للإطماع والإشفاق؛ فيظل المذنب على وجل من الله وهو يغمره الخوف والرجاء والأمل في عفو الله وغفرانه.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٠٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٠٥١