وقوله: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ أي ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن رزقه الله من رزقه الله بعمل أهل الصلاح من الإحسان وصلة الأرحام والبر والإنفاق في سبيل الله.
76 - (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)
فلما رزقه الله من فضله مالا ووسع عليه فيه بخل ولم يوف ما عاهد الله عليه من ذب الصدقة وفعل الإحسان
﴿وتولوا وهم معرضون﴾
أي أدبروا عما عاهدوا الله عليه،
وهم ديدنهم الإعراض عن دين الله وطاعته.
77 - (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)
قوله: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ الفاعل هو الله جل شأنه - ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم﴾ أي جعل عاقبة فعلهم من البخل والإعراض عن دين الله وطاعته نفاقا في قلوبهم ﴿إلى يوم يلقونه﴾ أي يلقون ربهم بالموت أو يوم القيامة - وذلك ﴿بما أخافوا الله ما وعدوه﴾ الباء للسببية؛ أي بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والبذل والإنفاق في وجوع البر والإصلاح بسبب كذبهم في قيلهم - وهو معنى قوله: ﴿وبما كانوا يكذبون﴾.
ويستذل من ذلك أن الكذب في الحديث له أمارة من أمارات النفاق المتلبس بالقلب، فما يكذب المرء ويكثر كذبه أو يزداد من غير وازع ولا ندامة إلا من ران على قلبه النفاق ليكون في زمرة المنافقين الخاسرين أعاذنا الله منهم - وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).
قال الرازي في هذا الصدد: ظاهرة الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه - فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به - ومذهب الحسن البصري: أنه يوجب النفاق لا محالة 154.
78 - (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)
قوله: ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب﴾ وهذا توبيخ من الله لهؤلاء المنافقين الخاسرين الذين يكفرون بالله وبرسوله وبدينه سرا ويظهرون للمؤمنين أنهم منهم والله سبحانه يبين لهم في تقريع واستنكار في هذا المعنى: ألم يعلموا أن الله يعلم ما يسرون في أنفسهم من الخبث والخداع، وما تنطوي عليه قلوبهم من الكفر والكراهية لدين الإسلام؟! ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يسمع نجواهم؛ إذ يتناجون فيما بينهم بالطعن في دين الله ورسوله والمسلمين؟! أفلا يخشى هؤلاء المنافقون أن تحل بدارهم القوارع والمثلاث من الله عقابا لكفرهم وفساد قلوبهم وسرائرهم؟! 155.
79 - (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
قوله تعالى: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله ولهم عذاب أليم﴾ ﴿يلمزون﴾، من اللمز وهو العيب والإشارة بالعين ونحوها - واللمزة بضم اللام المشددة معناه العياب باللسان 156.