قال ابن حجر (رحمه الله) : (إن الذي خاطبه رجل من قريش ، وإن الذي نهاه عن الفتيا عثمان (رضي الله عنه) ، وكان سبب ذلك : أنه كان بالشام ، فاختلف مع معاوية في تأويل قوله (تعالى) : ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ [التوبة : 34] ، فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وقال أبو ذر : نزلت فيهم وفينا ، فكتب معاوية إلى عثمان ، فأرسل إلى أبي ذر ، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر عن المدينة فسكن الرّبَذَة (بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة) إلى أن مات ، رواه النسائي ، وفيه دليل على أن أبا ذر كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا ؛ لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه ؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتبليغ عنه كما تقدم ، ولعله أيضا سمع الوعيد في حق من كتم علماً يعلمه) [21] .
ويبين شيخ الإسلام (رحمه الله) الحالة التي يمنع فيها العالم من الفتوى بقوله :
(وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين ، بل يبين له أنه أخطأ ، فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع ، بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدعاء إلى ذلك ، وجب أن يُمنع من ذلك ، ويعاقب إن لم يمتنع ، وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين ، ولا مَنْعه من ذلك القول ، ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول : إن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين) [22] .
رابعاً : أن المفتي قد خلط في حديثه ذاك بين الفتوى والقضاء ، إذ كثيراً ما يختلط هذا بذاك على العوام أو غير المتخصصين ، فكان خلطه في ذلك من ثلاثة وجوه :
الأول : عده الفتوى ولاية من الولايات الشرعية ، وهذه في القضاء وليست في الفتوى .
الثاني : قوله بلزوم كل ما صدر عن دار الإفتاء للجميع ، وهذا فيما صدر عن القاضي أو الحاكم في قضايا الأعيان .
الثالث : جعله المفتي مفتقراً لكونه مفتياً إلى إسناد هذا الأمر إليه من ولي الأمر ، وهذا في القضاء .
ولتفصيل هذا الاختلاط الواقع في الحديث عن الفتوى نقول :
1- إن الفتوى ليست ولاية من الولايات الشرعية ، وإنما الذي يقال في حقه إنه ولاية مما يمكن أن يشتبه أمره على العوام أو غير المتخصصين إنما هو القضاء ، وقد عدد الماوردي في (الأحكام السلطانية) وكذلك أبو يعلى الفراء في كتابه (الأحكام السلطانية) الولايات ، فذكر كل واحد منهما القضاء فيما ذكرا من الولايات ، ولم يذكر واحد منهم الفتوى ، وكذلك عَدّ القرافي في كتابه (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام) الولايات ، وقسمها إلى خمسة عشر قسماً ، وذكر فيها القضاء ، ولم يذكر فيها الإفتاء ، وقد ذكر أيضاً شيخ الإسلام (ابن تيمية) في كتابه (السياسة الشرعية) كثيراً من الولايات ، وتحدث عن أحكامها ، فذكر منها القضاء ولم يذكر الإفتاء ، وبالجملة : فلست أعلم أحداً ممن يُعتد به ذكر (الإفتاء) ضمن الولايات .
2- إن القول الملزم إنما هو للقاضي أو الحاكم (والقاضي والحاكم لفظان مترادفان في اصطلاح الفقهاء) والمفتي إنما له الإخبار ، ف (المفتي مخبر محض ، والحاكم منفذ وممضٍ) [23] .
وقال علاء الدين الطرابلسي (فحقيقة القضاء : الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام ، ومعنى قولهم : (قضى القاضي) ، أي : ألزم الحق أهله) [24] وقال ابن الشحنة الحنفي : (القضاء في اللغة عبارة عن اللزوم ، ولهذا سمي القاضي قاضياً ؛ لأنه يلزم الناس ، وفي الشرع يراد بالقضاء : فصل الخصومات وقطع المنازعات) [25] .
وقال ابن القيم فيما نقله عن أبي عثمان الحداد : (القاضي أيسر مأثماً وأقرب إلى السلامة من الفقيه [يريد المفتي ] ؛ لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول ، والقاضي شأنه الأناة والتثبت ، ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة) انتهى .