وفي هذا المعنى أيضاً يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية) : (وما يجوز أن يحكم به الحاكم ، يجوز أن يفتي به المفتي بالإجماع ، بل الفتيا أيسر ، فإن الحاكم يُلزِم ، والمفتي لا يُلزم) [4] .
ويقول الشاطبي : (المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه ، إلا إنه لا يُلزمه المفتي ما أفتاه به) [5] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) في بيان ذلك : (قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله (سبحانه وتعالى) فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم- ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول -صلى الله عليه وسلم- ، حتى كان صدِّيق الأمة وأفضلها بعد نبيه يقول : (أطيعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) [6] [7] .
من كل ما تقدم وغيره يتبين أن قول القائل : إن كل فتوى صدرت عن دار الإفتاء ، أو عن المفتي ، أو عن فلان ، هى فتوى ملزمة للجميع .. هو قول بيِّن الخطأ .
ثانياً : أن المسلم لا يلزمه أن يقتصر في طلب الفتوى على مفتٍ واحد ، بل له أن يستفتي فيما ينزل به أكثر من مفتٍ ممن يثق في علمهم ودينهم و (اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان) [8] وإذا اختلفت فتوى المفتين عليه ، أخذ من تلك الفتاوى ما ترجح لديه منها بحسب قدرته .
يقول ابن تيمية في بيان ذلك : (وأما تقليد المستفتي للمفتي ، فالذي عليه الأئمة الأربعة ، وسائر أئمة العلم : أنه ليس على أحد ولا شُرع له التزام قول شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، لكن منهم من يقول : على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكن استفتاؤه ، ومنهم من يقول : بل يخير بين المفتين ، [و] إذا كان له نوع تمييز فقد قيل : يتبع أي القولين أرجح عنده بحسب تمييزه ، فإن هذا أولى من التخيير المطلق ، وقيل : لا يجتهد إلا إذا صار من أهل الاجتهاد ، والأول أشبه ؛ فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين : إما لرجحان دليله بحسب تمييزه ، وإما لكون قائله أعلم وأورع : فله ذلك وإن خالف قوله المذهب) [9] .
ويقول ابن القيم : (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر ، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال ، أو بأخفها ، أو يتخير ، أو يأخذ بقول الأعلم ، أو الأورع ، أو يعدل إلى مفتٍ آخر ، فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها ، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه ؟ ، فيه سبعة مذاهب ، أرجحها السابع) [10] .
ولم يكن من هدي السلف الصالح استفتاء عالم بعينه دون نظرائه من العلماء ، والتزام أقواله كلها بحيث لا يخرج عنها ، فإن ذلك من البدع الحوادث ، كما ذكره ابن القيم [11] ، وابن عبد البر [12] ، وابن حزم [13] ، والشاطبي [14] ، وولي الله الدهلوي [15] ، والفُلاني [16] ، وسند بن عنان المالكي [17] ، ومحمد حياة السندي [18] ، والشوكاني [19] .
ومن هنا يتضح أن قول القائل : إن الولاية على الفتوى هي للمفتي وحده دون منازع ، وأن فتواه ملزمة هو تجنٍّ على الحق وتجاوز للحد ، وادعاء ما أنزل الله به من سلطان .
ثالثاً : أن الفتوى ليست حكراً على طائفة معينة أو فرد ما ، بل كل من استجمع شرائط الفتوى المعتد بها ، حُقّ له أن يخبر عن أحكام الشرع ؛ إذ الإخبار عن أحكام الشرع وبيانها للناس هو من فروض الكفايات ، وليس لأحد أن يحصر الفتوى في فرد أو طائفة بحيث لا تصدر الفتوى إلا منه أو منهم ، ويمنع من الفتوى من هو مثلهم ممن تتحقق فيه شروط الفتوى ، أخرج الدارمي في سننه من حديث أبي كثير مالك بن مرثد أنه قال : (أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال : ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ ، فرفع رأسه إليه فقال : أرقيب أنت عليّ ، لو وضعتم الصّمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها) [20] .