الأمة والتحديات المعاصرة في موروثها وأخلاقها
خطبة عيد الفطر المبارك ــ 1422هـ
خالد بن عبدالرحمن الشايع
الحمد لله مُكَوِّرُ النَّهارِ على الليل ، ومُكَوِّرُ الليلِ على النَّهار ، أحمدُه سبحانه، وهو لكلِّ حَمْدِ أهل ، وأشكره وأُثني عليه الخير كلَّه ، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه ، الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً .
وأُصلِّي وأسلم على خير خلقه نبينا محمد ، بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، وقد ترك الأمة على مَحَجَّةٍ بيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته ، وآتاه الوسيلة والفضيلة ، وبعثه مقاماً محموداً الذي وَعَدَه ، وصلى الله وسلم على آله وصحبه والتابعين بإحسانٍ إلى يوم الدين .
أما بعد :
فالله أكبر، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر ، ولله الحمد .
أيها الإخوة والأخوات : أسأل الله أن يجعل يومَكم هذا مباركاً ، وأن يجعلنا جميعاً من المقبولين ، وأن يكتب لي ولكم السعادة في الدنيا والآخرة .
أيها المسلمون :
تستقبلون اليوم بفضل الله ونعمته يوماً مجيداً من أيام الله ، إنه يوم عيد الفطر ، هذا العيد الذي امتنَّ الله به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فشرعه على الكمال والتمام ، قال الله تعالى : ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( [الحج : 34].
وروى أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال : " قد أبدَلَكُم الله تعالى بهما خيراً منهما: يومَ الفطر والأضحى ".
ولهذا قال العلماء: تُشرع التوسعة على الأهل والعيال في أيام العيد، بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس وترويح البدن، بما أحل الله ، وهذا من هديه صلى الله عليه وسلم ، ومما يدلُّ عليه ما روته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعَاث [1] ، فاضطجع على الفراش ، وحوَّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني ، وقال : مِزمارةُ الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم ؟! فأقبل عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : " دعهما " ، فلما غفل غمزتُهما فخرجَتَا. رواه البخاري ومسلم[2] .
جاء في رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا بكر ، إن لكل قومٍ عيداً ، وهذا عيدنا ".
وفي رواية في " المسند " أن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : " لِتَعْلَمَ اليهود أنَّ في ديننا فسحة ، إني أُرسلت بحنيفية سمحة " .
فالعيد إذاً من الدِّين … والعيد عبادة وقربة … والعيد شِرْعةٌ ونُسُك ، ألا ترون أنه لو أن أحداً من الناس أصبح اليوم صائماً لكان عاصياً لله ، ولأصبح مأزوراً غير مأجور .
قال الله تعالى : ) يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( [البقرة : 185] .
فهذه والله نعمةٌ وأيُّ نعمة... ) قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ( [يونس : 58].
ولا يخفى أن ما يتعاطاه بعض الناس من مظاهر الفرح المشتملة على المنهيات من غناءٍ أو تبرج النساء واختلاطهن بالرجال ونحو ذلك إنما جهلٌ قبيحٌ ممن يقع منهم .
أيها المسلمون : اليوم يَحُلُّ عيدُنا أهل الإسلام … وإنها لفرصة أن يتأمل المرء في حال نفسه وحال أمته .