تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول ابن القيم معقباً : (وقال غيره : المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي ؛ لأنه لا يلزم بفتواه ، وإنما يخبر بها من استفتاه ، فإن شاء قبل قوله ، وإن شاء تركه ، وأما القاضي فإنه يلزم بقوله ، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم ، ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء ، فهو من هذا الوجه خطره أشد) [26] .

والشاهد فيه : قوله عن المفتي : إنه (لا يُلزم بفتواه) ، وقوله عن القاضي :

إنه (يلزم بقوله) ، والفتوى أوسع مجالاً من القضاء ، إذ كل ما يقضي فيه القاضي أو الحاكم يمكن للمفتي أن يفتي فيه ، والعكس ليس بصحيح ، فليس كل ما يفتي فيه المفتي يمكن أن يقضي فيه القاضي ، يقول ابن القيم تعليقاً على ما نقلناه سابقا :

(فكلّ خطر على المفتي فهو على القاضي ، وعليه من زيادة الخطر ما يختص به ، ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى ، فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره ، وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله ، فالمفتي يفتي حكماً عامّاً كليّاً : أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ، ومن قال كذا لزمه كذا ، والقاضي يقضي قضاءً معيناً على شخص معين ، فقضاؤه خاص مُلزم ، وفتوى العالم عامة غير ملزمة ، فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير) [27] .

ويقول القرافي في (الفرق بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم) : (اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة ، بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط ، فليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة ، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجساً فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله ، بل ما يقال في ذلك إنما هو فتيا ، إن كانت مذهب السامع عمل بها ، وإلا فله تركها والعمل بمذهبه) [28] .

3- المفتي لا يفتقر في كونه مفتياً إلى جهة تسند إليه أمر الإفتاء غير تحقق شروط المفتين فيه ، في حين أن القاضي لا يصير قاضياً بتحقق شروط القضاء فيه حتى يُسنِد إليه أمر القضاء من له الحق في ذلك الإسناد ، وهو الخليفة أو من يقوم مقامه ، يقول الماوردي : (ولو اتفق أهل بلدٍ قد خلا من قاضٍ على أن قلدوا عليهم قاضياً ، فإن كان إمام الوقت موجوداً بطل التقليد ، وإن كان مفقوداً صح التقليد ونفذت أحكامه عليهم ، فإن تجدد بعد نظره إمام لم يستدم النظر إلا بإذنه ، ولم ينقض ما تقدم من حكمه) [29] .

ويقول الشيرازي وبنحوه ابن قدامة الحنبلي وابن الهمام الحنفي : (لا تجوز ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو تولية من فوض إليه الإمام ؛ لأنها من المصالح العامة) [30] .

والمفتي المتحقق فيه شروط الإفتاء له أن يفتي ولا يفتقر ذلك إلى تعيين من جهة ما ؛ لأن ذلك من قبيل تبليغ الدين ، وبالتالي : فليست هناك فتوى يقال عنها :

إنها فتوى رسمية ، وأخرى يقال عنها : إنها غير رسمية ، طالما أن الفتوى خرجت ممن يحق له أن يفتي ، ومعيار الصواب في الفتوى قائم على الالتزام بنصوص الشرع والإفتاء بها أو بموجبها ، وليس لفتوى امتياز على فتوى أخرى إلا بانضباطها بذلك المعيار .

خامساً : أن الربا حرام بالنص والإجماع المتيقن ، لا تُحله فتوى يقال عنها :

إنها رسمية أو غير رسمية ، وكل فتوى خالفت ذلك التحريم فهي فتوى باطلة يحرُم الإفتاء بها أو العمل بمقتضاها ، وليس ما يقال عنه من فوائد البنوك إلا صورة من صور الربا المحرم بالنص والإجماع ، وذلك أن حقيقة هذه الفائدة إنما هي (زيادة اشترطت في رأس المال في مقابل الأجل) [31] (التأخير) ، سواء أكانت الزيادة مما يعطيها البنك للمودع (المُقرض) أو يأخذها البنك من المقترِض ، فكل ذلك من الربا الجلي بيقين .

وهذه الصورة المحرمة من صور الربا لا يُحلّها وجود فتوى يقال عنها إنها رسمية قالت بحلها ، كما لا يُحِلّها القول بأنها معاملة : (مقبولة من الطرفين) ؛ إذ ليس قبول الطرفين في المعاملات هو الموجب الوحيد للحِل في المعاملات ، فالقمار حرام ولو كان برضا الطرفين ، والزنا حرام ولو كان برضا الطرفين .. فالرضا وإن كان معتبراً في المعاملات لكنه لا يحل ما حرم الله ، وهذا واضح لا إشكال فيه .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٣٩