مستقبل الربا
يحيى بن موسى الزهراني
الخطبة الأولى:
الحمد لله الواحد المعبود، عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته كل موجود، أحمد - سبحانه - وأشكره وهو بكل لسان محمود، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الغفور الودود، وعد من أطاعه بالعزة والخلود، وتوعد من عصاه بالنار ذات الوقود، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الركع السجود، والتابعين ومن تبعهم من المؤمنين الشهود، وسلم تسليماً كثيراً إلى اليوم الموعود...أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوه رحمكم الله تقوى من أناب إليه، واحذروه حذر من يؤمن بيوم العرض عليه، واعبدوه مخلصين له الدين، وراقبوه مراقبة أهل اليقين، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
أمة الإسلام: في مثل هذه الأيام من كل عام، يحزم الناس أمتعتهم، ويجهزون حقائبهم، استعداداً للسفر، ولكل منهم مقصده، فمن كان قصده الترويح البريء كان مأجوراً، ومن كان قصده غير ذلك، فالأعمال بالنيات، وكل هجرته إلى ما هاجر إليه، ثم توفى إليهم أعمالهم يوم القيامة وهم لا يبخسون، قال - تعالى -: " إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون "
أيها المسلمون: الناس في هذه الإجازة الصيفية، فرق شتى، منهم من يستعد للسفر، ومنهم من أخذ أهبته للزواج، ومنهم من عزم على شراء سيارته، ومنهم من يريد تشييد منزله، وغيرهم كثير، فكل يحتاج إلى النفقات، وتأمين الحاجيات، ولا يتأتى ذلك إلا بوجود المال، وإن مما تأسف له النفوس، ونذير حرب ضروس، ما يقع فيه كثير من المسلمين اليوم، من تهافت على البنوك الربوية، والمصارف المحرمة، لاقتراض المال الحرام، من أجل متعة دنيوية ما تلبث أن تزول وتذهب، ويكون وبالها على فاعلها، قال - تعالى -: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين "، فلربما كان البيت قبراً، والسيارة تابوتاً، والزوج وبالاً، فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا دخول الربا في تعاملاتكم وأموالكم، فذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
أمة الإسلام: الربا من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم، وأشد العظائم، الربا يهلك الأموال، ويمحق البركات، ويجلب الحسرات، ويورث النكسات، قال - تعالى -: " يمحق الله الربا ويربي الصدقات "، وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قل " [أخرجه أحمد والحاكم بسند صحيح]، آكل الربا ملعون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، خارج من رحمة الله، داخل في عذاب الله، ما لم يتب ويستغفر الله، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: " لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء " [أخرجه مسلم]، فأي ذنب أعظم من ذنب ملعون صاحبه؟ وأي مصيبة أكبر من مصيبة اللعن والطرد من رحمة الله - تعالى -؟ فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا أنكم محاسبون، وعن أموالكم مسؤولون، ولن تنفعكم أموالكم ولا أولادكم من الله شيئاً.
أمة الإسلام: الربا حرام كله، قليله وكثيره، قال - تعالى -: " وأحل الله البيع وحرم الربا "، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها، وأكل الربا " [متفق عليه]، الربا حرب لله ولرسوله، قال - تعالى -: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله "، والعجيب والعجائب جمة، أن من الناس من يأكل الربا عالماً بحرمته، عارفاً بعقوبته، متذرعاً برحمة الله ومغفرته، ونسي المسكين أن الله جل جلاله يقول في كتابه العزيز: " اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم "، ويقول - سبحانه -: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب "، الربا دمار للأفراد والشعوب، وإشعال لفتيل الحروب، الربا هلاك للأمم والمجتمعات، صغار وذلة للمتعاملين به، ولا أدل على ذلك من هذه النكبات التي حطت رحالها بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، من حروب مدمرة، وفيضانات عارمة، وكسوف وخسوف، ورياح عاتية، وقتل وسرقات، وجرائم واغتيالات، ونهب للممتلكات، كوارث وحوادث، ليس لها من دون الله كاشفة، ولا منجي منها إلا بتوبة صادقة، ورجوع إلى الله الواحد القهار.