تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

http://www.saaid.net المصدر:

==============

الربا

يحيى بن موسى الزهراني

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كثير الخيرات، وعظيم البركات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبي الهدى والرحمات، عليه من ربه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، وعلى آله وأصحابه أهل التقى والكرامات، ومن تبعه بإحسان إلى يوم العرصات...أما بعد:

لقد بعث الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، فأبطل الله به مسالك الجاهلية، وقضى به على معالم الوثنية، فاستأصل شأفتها، واجتث جرثومتها، وفي طليعة ذلك الكبيرة العظيمة، والجريمة الشنيعة، والمعصية المتوعد عليها بالحرب من الله ورسوله، ألا وهي جريمة (الربا)، فهيهات أن تُعمر الحياة وتشاد الحضارات وأناس يتعاطون الربا، ولا يرعون للإنسان كرامة، ولا للعقول حصانة، ولا للدين صيانة.

فلما جاء الإسلام بعقيدة التوحيد الخالصة لله، وأشرقت أنوارها في جميع أصقاع المعمورة، حررت القلوب من رق العبودية لغير الله، ورفعت النفوس إلى قمم العز والشموخ، وسمت بالعقول عن بؤر المال وحبه، وعلت بالقلوب عن مستنقعات المال الحرام. كيف لا وعقيدة المسلم أعز شيء عنده، وأغلى شيء لديه، بها يواجه أعتى التحديات، وبها يصبر على الابتلاءات، وبها يترك الإغراءات، ويقاوم موجات القلق والأرق، والاكتئاب النفسي والاضطرابات، وبها يقيم سداً منيعاً، ودرعاً متيناً أما زحف المال الحرام، والغزو الفكري والعقدي، ويحذر من بضاعة اليهود الحاقدين، أكلة الربا المغرضين، من هنا كانت أنبل معارك العقيدة، تحرير العقول الإنسانية من كل ما يصادم الفطر، ويصادر الفكر، ويغتال المبادئ والقيم.

لقد حد الله - سبحانه وتعالى - لعباده حدوداً من تعداها وتخطاها إلى غيرها وقع في الحرام وأدى بنفسه للهلاك والدمار، وعرض نفسه للعذاب والعقاب، ففي تعدي حدود الله ظلم للنفس البشرية، ومعصية لرب البرية، وهذا من أشد أنواع الظلم، ظلم الإنسان لنفسه، إذ كيف بإنسان وهبه الله عقلاً وحكمة وعلماً وخط له خطوطاً، وأرسل له رسلاً، وأنزل له كتباً، فتبين له الحق من الباطل، ثم يصر على المعصية وفعل الذنب، واقتراف الصغيرة والكبيرة، فمن تعدى حدود الله، وانتهك محارمه غير مراع لأمر ولا نهي، فقد أعد الله له من العقوبة جزاءً وفاقاً و ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾، ولقد جاء الكتاب العزيز، مرغباً في الخير، ومرهباً من الشر، آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، فيه وعد ووعيد، وتخويف وتهديد، فيه الأوامر والنواهي، فنأى بأتباعه عن أوهام الجاهلية، وطهر نفوسهم من رجز الوثنية، وابتعد بهم عن براثن الإسفاف، وبؤر الاستخفاف في كل صوره وأنماطه، ويأتي في طليعة ذلك (جريمة الربا) لما يمثله من طعنة نافذة في صميم العقيدة، وشرخ خطير في صرح التوحيد، وتمزق مزر يضعف القوة، ويذهب العزة، ويجلب الانتكاسة، وسوء الخاتمة، ويلحق الهزائم، ويقضي على العزائم، فتقع الاضطرابات في المجتمع، وتحصل الفوضى في الأمة، فتغرق سفينتها في مهاوي العدم والردى، ولذا فقد نهى الشارع الكريم عن (الربا) في محكم التنزيل، وحذر من عاقبته السيئة ونهايته المؤلمة فقال الله - تعالى -: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فالربا حرام كله، كثيره وقليله، بجميع أشكاله وأنواعه، وصوره ومسمياته، ولم يأذن الله في كتابه العزيز بحرب أحد إلا أهل الربا، فالناظر على مستوى الأفراد والدول يجد مدى الخراب والدمار الذي خلفه التعامل بالربا من الإفلاس والكساد والركود، والعجز عن تسديد الديون، وشلل في الاقتصاد، وارتفاع مستوى البطالة، وانهيار الكثير من الشركات والمؤسسات، وجعل الأموال الطائلة تتركز في أيدي قلة من الناس، فأصبح ناتج الكدح اليومي يصب في خانة تسديد الربا، ولعل هذا شيء من صور الحرب التي توعد الله بها المتعاملين بالربا فقال - جل وعلا -: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ إنها بضاعة مزجاة، وتجارة كاسدة، وحرب خاسرة مع الله - تعالى -، حرب لا تجدي فيها السفن ولا الطائرات، ولا تنفع فيها القنابل ولا الدبابات، فهي مع خالق الأرض والسموات، الذي يقول للشيء كن فيكون، فكيف يخوض عبد ضعيف لا حول له ولا قوة حرباً ضروساً مع من له جنود السموات والأرض، وله جنود لا يعلمها إلا هو، إنها حرب غير متكافئة من أقدم عليها من البشر فقد أهلك نفسه وأذاقها ألم العذاب ومرارة العقاب، وضنك العيش في الدنيا والآخرة.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٧٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٧٩١