المساهمة في الشركات التي أعلنت توقفها عن الأنشطة المحرمة
عبد المجيد بن صالح بن عبد العزيز المنصور
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فيحصل أحياناً من بعض الشركات أو البنوك أو غيرها من المؤسسات ذات الشخصية المعنوية أن تعزم على إيقاف التعاملات المحرمة كالإيداع والإقراض بالفوائد توبة منها إلى الله، ورجوعاً إلى الحق بإرادة جازمة، واقتناعاً منها بخطورة الربا ونحوه .
هذا الموضوع نحتاج إليه في هذا الوقت؛ لكثرة الأسئلة الواردة على طلاب العلم والمفتين عن الآثار المترتبة على إقلاع الشركات والبنوك عن التعاملات المحرمة من جواز المساهمة فيها وحكم الأنشطة المحرمة السابقة قبل التوبة.
وتزداد الحاجة إليه بعد أن بدأنا نسمع بين الفينة والأخرى احتمال توجه كثير من الشركات إلى الأسلمة الحقيقية والتوقف عن الأنشطة المحرمة.
وهذا البحث عبارة عن مشاركة متواضعة في هذا الموضوع ولا أزعم أني أوفيته حقه من كل جوانبه ولعله يكون مفتاح باب لمن أراد أن يلج بحثه بأوفى مما ذُكر فيه؟
فأقول: هل إذا تابت هذه الشركات وأقلعت عن التعاملات المحرمة يقضى لها بما سلف من الأموال المحرمة وبالتالي يجوز المساهمة فيها وتملُك أسهمها بعد إعلان توبتها أو أنه يجب عليها التخلص مما سبق من الأموال المقبوضة بالربا، ولا تملكها بالقبض والتوبة، وبالتالي لا يجوز المساهمة فيها وتَملُّك أسهمها حتى تتخلص من التعاملات المحرمة المقبوضة قبل التوبة كالربا وغيره؟
هذه المسألة يمكن تخريجها على العاصي الذي عاش مدة في مستنقع الفجور والكبائر، وقد تعامل بالحرام والمعاملات الفاسدة والباطلة دهراً من الزمن لا بجهل يعذر به ولا بتأويل سائغ، ولكن إعراضاً عن طلب العلم الواجب عليه الذي يجنبه الوقوع في هذه المعاملات مع تمكنه من العلم، أو سمع بتحريم هذه البيوع والمعاملات ولم يتركها إعراضاً لا كفراً بالرسالة، فهذان نوعان يقعان كثيراً .
الأول: من ترك طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه حتى وقع في هذه المعاملات المحرمة غير عالم بتحريمها .
الثاني: من بلغه الخطاب بتحريمها، وعلم بالحكم الشرعي ولم يلتزم اتباعه، تعصباً لمذهبه أو اتباعاً لهواه وعصياناً لربه، وهذا هو الأكثر.
فهل يكون حال هذا إذا تاب إلى الله عز وجل ورجع وأناب، وأقر بالتحريم تصديقاً والتزاماً كحال الكافر إذا أسلم على أموال محرمة قد قبضها قبل إسلامه؛ لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام يجب ما قبله، وبالتالي لا يفسخ العقد، و يقر على أمواله التي قبضها حال فسقه، وليس عليه التخلص منها،وتكون له حلالاً طيباً، ويملكها كما في العقد الصحيح.
أو يجب عليه رد جميع ما اكتسبه من الأموال المحرمة، والتخلص منها، ويجب فسخ العقود الفاسدة المقبوضة، ولم يتملكها طوال تلك المدة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أنه يجب عليه فسخ تلك العقود والقبوض، ولا يقر عليها، ويؤمر برد جميع ما قبضه من الأموال المحرمة من ربا وميسر ومخدرات ويانصيب ونحو ذلك، أو التخلص منها.
وعلى هذا القول يجب على الشركة رد جميع ما قبضته من الأموال المحرمة من ربا وميسر إن أمكن، وإلا تتخلص منها، ولا تقر عليها، وهذا قول في مذهب الحنابلة (1)، واختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2).
وهو قول المالكية (3) في الربا خاصة، فإنه مفسوخ أبداً فات أم لم يفت، وليس له إلا رأس ماله، أما غيره من العقود فإنه يجب فسخه ما لم يفت (4).
• ويا أيها القائمون على المؤسسات الإعلامية من صحافة؛ وإذاعات وتلفا، وقنوات فضائيه في بلدان المسلمين. إنه لعمل مشكور هذا الذي تشاركون به في حملة الانتصار لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ . ولكن ألا يعلم بعضكم أنه يعيش حاله من التناقض، إن لم يكن ضرباً من النفاق، وذلك عندما يدعي محبة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ونصرته ممن أساء إليه من الكفرة، ثم هو في نفس الوقت يبث في صحيفته أو إذاعته أو تلفازه أو قناته الفضائية ما يسيء إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ويؤذيه، وذلك مما حرم الله عز وجل وحرمه رسوله _صلى الله عليه وسلم_ من إشاعة الفاحشة، وتحسين الرذيلة، وبث الشبهات، والشهوات، و النيل من أولياء الله عز وجل وأولياء رسوله _صلى الله عليه وسلم_ والاستهزاء بهم وبسمتهم وهديهم وعقيدتهم والله _عز وجل_ يقول: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"[البخاري:11/292] فكيف تعرضون أنفسكم لحرب الله عز وجل وأنتم تدعون نصرة نبيه _صلى الله عليه وسلم_ والذب عنه . إن الذب عن نبينا _صلى الله عليه وسلم_ انما تكون بالتزام سنته، والذب عنها والتوبة من كل ما يقدح فيها، والتزام طاعته _صلى الله عليه وسلم_ والصدق في محبته , وإلا كان هذا الانتصار مجرد ادعاء، ومفاخرة ونفاق _نعوذ بالله من ذلك_.