إنَّ أمة الإسلام اليوم مثخنةٌ بأنواع من الجراح، مكلومةٌ في مجالات شَتَّى...
ولكم أن تتأملوا في الكُلِّيات والضروريات الخمس التي لا قوام للأمة إلا بها ( الدين والنفس والعقل والعرض والمال ) تجدوا أن فيها ما فيها من الوهن والخلل .
فالناظر فيما عليه المسلمون من التمسك بدينهم وبعدهم يجد الخلل الكبير الذي طال كثيراً الناس في عقيدتهم، وما ألَمَّ بها من الشركيات والبدع ، وهكذا الشأن في المحافظة على شعائر الدين من الصلاة والزكاة والصيام والحج التفريط كبيرٌ وكثير .
وهكذا ما يمارس اليوم من أنواع الصد عن سبيل الله وشرعه ، فمن بني جلدتنا من يقف حاجزاً بين الناس وبين تمسكهم بالدين وخاصة بعض الكتاب الذين يحاولون تشويه معالم الشرع والتنفير منه.
وغير بعيد عنهم ما تمارسه طوائف من المشركين والكفار من تشويه لدين الإسلام ومحاولةٍ للنيل منه ،كما أخبر سبحانه : ) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( [آل عمران : 186] ،
ولذلك نشِطوا في محاولات الإساءة والاستهزاء بشرائع الدين وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
ولئن ساءنا ذلك وكدرنا إلا أن الأمر كما قال سبحانه : ) فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ( [النساء : 19]. فهو علامة على مدى ما للدين الحنيف من قبول في أصقاع الأرض حمل قادة أهل الكتاب على إعلان المعاداة للإسلام ، بل ومحاولة تشويهه في أنظار أتباعهم ، فبحسب دراساتهم أن الإسلام إن استمر الداخلون فيه على هذه الوتيرة فستكون أوروبا قارة مسلمة بأكملها خلال عقودٍ قليلة.
ولكن محاولات إساءاتهم نحو النبي صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه : ) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ( [الحجر : 95].
وموقفهم من الإسلام لنا فيه وعدٌ صادقٌ من الله : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) [التوبة : 32].
أيها المسلمون :
ومن نظر في جانب الأعراض يدرك كما ابتليت الأمة اليوم بأشياء تقود كثيراً من أفرادها إلى الإخلال بها.
أرأيتم أيها الناس لو أن أحداً مجَّد مومساً أو عاهراً وأثنى عليه أو عليها بعهره أو عهرها ألا يتنقصه الناس وينبذونه.
إن الواقع اليوم أعظم من هذا وأكبر ، إنَّ دهماء الناس اليوم وعامتهم لو حلت بينهم عاهرة من عواهر التمثيل والغناء لازدحموا حولها يتمنون مصافحتها... أو حتى الحديث إليها... إن هذا ليس ضرباً من الخيال... ولكنه الواقع والحقيقة ، فالقدوة الكبرى لدى عدد من الناس اليوم هم أرباب التمثيل والغناء، حتى باتت وسائل الإعلام متخمة بتلك النماذج السيئة، وصار لها المشاركة حتى في مجالات شتى ، والنتيجة لهذه السفاهات يدركها من نظر في الأرقام المتصاعدة لجرائم الاختطاف والفواحش والزنا وحمل السفاح وغيرها من الموبقات .
وأما عقول الأمة وفكرها فالحال مؤسفةٌ ومحزنة ، فالاعتداء على العقول من خلال المسكرات والمخدرات وما في حكمها كثيرٌ مستطير .
وثمت نوع آخر من الاعتداء على العقول تمثل في التفريغ الفكري لموروث الأمة العلمي والثقافي ، وباتت علوم الناس اليوم وثقافتهم تشطح كثيراً عما كان عليه سلف الأمة ، وبات عدد من ذكور الأمة وإناثها مشدوهاً بالمناهج والأفكار التي تلقوها من الغرب والشرق، وصاروا حانقين على آداب الإسلام وتشريعاته، ويحاولون الالتفاف عليها بأنواع من الشبهات والضلالات .
وفي جانب المال والمكاسب لا تزال الأمة مكلومة في قلب اقتصادها؛ بسبب استمراء الربا واستسهال أمره ، بل إن الدعوة إلى الربا والإعلان عن مكاسبه صار الناس يُسْتَجَرُّون إليه ويُغرَونَ به ويُخطط له من خلال الدعايات الضخمة عبر الصحف والشاشات والإذاعات بلا خوف من الله ولا وجل من وعيده : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ( [البقرة : 278 و 279].