تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* وقد ذكر ابنُ إسحاق في السيرة سبب النزول بأطول مما رواه الشيخان وغيرهما , قال : وَكَانَ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْمُبَاهَلَة وَمَا قَبْلهَا مِنْ أَوَّل السُّورَة إِلَى هُنَا فِي وَفْد نَجْرَان : أَنَّ النَّصَارَى لَمَّا قَدِمُوا فَجَعَلُوا يُحَاجُّونَ فِي عِيسَى , وَيَزْعُمُونَ فِيهِ مَا يَزْعُمُونَ مِنْ الْبُنُوَّة وَالإِلَهِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي صَدْر هَذِهِ السُّورَة رَدًّا عَلَيْهِمْ .

وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَان , سِتُّونَ رَاكِبًا , فِيهِمْ أَرْبَعَة عَشَر رَجُلاً مِنْ أَشْرَافهمْ .

وَأَمْرُ هَؤُلاءِ يَئُولُ إِلَى ثَلاثَةٍ مِنْهُمْ ؛ وَهُمْ الْعَاقِبُ , وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْم وَذَا رَأْيهمْ وَصَاحِبَ مَشُورَتِهمْ وَاَلَّذِي لا يَصْدُرُونَ إِلا عَنْ رَأْيه , وَالسَّيِّدُ , وَكَانَ عَالِمَهمْ وَصَاحِبَ رَحْلِهمْ وَمُجْتَمَعِهمْ , وَأَبُو حَارِثَة بْن عَلْقَمَة , وَكَانَ أُسْقُفَهمْ صَاحِبَ مُدَارَسَتهمْ , وَكَانَ رَجُلاً مِنْ الْعَرَب مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِل , وَلَكِنَّهُ تَنَصَّرَ , فَعَظَّمَتْهُ الرُّوم وَمُلُوكهَا وَشَرَّفُوهُ , وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِس , وَأَخْدَمُوهُ , لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ صَلابَته فِي دِينهمْ , وَقَدْ كَانَ يَعْرِف أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتَه وَشَأْنَه مَا عَلِمَهُ مِنْ الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة , وَلَكِنْ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الاسْتِمْرَارُ فِي النَّصْرَانِيَّة لِمَا يَرَى مِنْ تَعْظِيمِه فِيهَا وَجَاهه عِنْد أَهْلهَا .

فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ , قَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَسْلِمَا " . قَالا : قَدْ أَسْلَمْنَا . قَالَ : " إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلِمَا " . قَالا : بَلَى قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلك . قَالَ : " كَذَبْتُمَا , يَمْنَعكُمَا مِنْ الإسلام اِدِّعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا وَعِبَادَتكُمَا الصَّلِيب وَأَكْلكُمَا الْخِنْزِير " . قَالا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّد ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا , فَلَمْ يُجِبْهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهمْ وَاخْتِلافِ أَمْرهمْ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَان إِلَى بِضْع وَثَمَانِينَ آيَة مِنْهَا , ثُمَّ تَكَلَّمَ اِبْنُ إِسْحَاق عَلَى تَفْسِيرهَا - إِلَى أَنْ قَالَ - : فَلَمَّا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَر مِنْ اللَّه وَالْفَصْل مِنْ الْقَضَاء بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ , وَأُمِرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلاعَنَتهمْ أَنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ , دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ , فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِم ! دَعْنَا نَنْظُر فِي أَمَرْنَا , ثُمَّ نَأْتِيك بِمَا نُرِيد أَنْ نَفْعَل فِيمَا دَعَوْتنَا إِلَيْهِ , ثُمَّ اِنْصَرَفُوا عَنْهُ , ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ , وَكَانَ ذَا رَأْيهمْ , فَقَالُوا : يَا عَبْدَ الْمَسِيح ! مَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ : وَاَللَّهِ ! يَا مَعْشَر النَّصَارَى , لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ , وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَر صَاحِبِكُمْ . وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ , فَبَقِيَ كَبِيرهمْ , ولا نَبَتَ صَغِيرهمْ , وَإِنَّهُ للاسْتِئْصَال مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ , فَإِنْ كُنْتُمْ أَبَيْتُمْ إِلا إِلْفَ دِينكُمْ والإقامة عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْل فِي صَاحِبكُمْ , فَوَادِعُوا الرَّجُلَ , وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلادكُمْ . فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِم ! قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لا نُلاعِنَكَ , وَنَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ , وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا , وَلَكِنْ اِبْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابك , تَرْضَاهُ لَنَا , يَحْكُمُ بَيْننَا فِي أَشْيَاء اِخْتَلَفْنَا فِيهَا فِي أَمْوَالنَا , فَإِنَّكُمْ عِنْدنَا رِضَا . قَالَ مُحَمَّد بْنُ جَعْفَر : فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِئْتُونِي الْعَشِيَّة , أَبْعَث مَعَكُمْ الْقَوِيّ الأَمِين ) . ثم ذكر ابنُ اسحق بقيّةَ القصة ، وذكرتها هنا مختصرة . نقلاً عن تفسير ابن كثير رحمه الله .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٨٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٨٩٣