أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد جعل من أوصاف الخوارج تلك الفرقة المارقة، أنه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن، وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده، قال ابن حجر قال النووي رحمه الله: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم، فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره، بوقوعه في القلب)
وهنا سؤال قد يطرحه بعض الأخوة: وهو أنه قد رتب الله الأجر عند قراءة القرآن، بكل حرف حسنة، وهذا يعني أنه كلما ازداد الحروف التي يقرأها الإنسان ازدادت الحسنات، الأمر الذي يدل على أن المطلوب لحصول الأجر الكثير هو الإكثار من القراءة، قالوا ويدل على ذلك ما ورد عن السلف الصالح رحمهم الله في ذلك، فالشافعي مثلا اشتهر عنه أنه كان يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، وكذلك ورد عن أبي حنيفة، بل ورد عن غيرهم من السلف نحو ذلك
فالجواب والله أعلم
أولا: لا نسلم بأنّ هذا الأجر العظيم يحصل لقارئ القرآن بمجرد القراءة، ولو كان قلبه غافل لاه، بل على الأقل لا بد من أصل حضور القلب في القراءة، ومعرفة المعنى على وجه الإجمال، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ فَكَأَنَّهُ يَقْرَؤُهُ دَائِمًا وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ , وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْقُرْآنِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ وَإِنْ قَرَأَهُ دَائِمًا, وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ فَمُجَرَّدُ التِّلَاوَة وَالْحِفْظ لَا يُعْتَبَرُ اِعْتِبَارًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَرَاتِب الْعَلِيَّة فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَة).
ثانيا: قال بعض العلماء في بيان هذه المسألة (إن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة ثمينة، ومن أسرع كم تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون العكس)
وأما الجواب عن ختم السلف هذه الختمات الكثيرة، فيتضح بكلام شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله (وأما الأفضل في حق الشخص فهو بحسب حاجته ومنفعته، فإن كان يحفظ القرآن وهو محتاج، إلى تعلم غيره فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة، التي لا يحتاج إلى تكرارها، وكذلك إن كان حفظ من القرآن ما يكفيه وهو محتاج إلى علم آخر، وكذلك إن كان قد حفظ القرآن أو بعضه، وهو لا يفهم معانيه، فتعلمه لما يفهمه من معاني القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه، وأما من تعبد بتلاوة الفقه، فتبعده بتلاوة القرآن أفضل، وتدبره لمعاني القرآن أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج إلى تدبره)
فالشافعي أيها الأخوة، وكذلك غيره من السلف فهموا كتاب الله فهما عميقا، وتدبروه غاية التدبر، فكان شهر رمضان في حقهم فرصة لتكثير الحسنات، فإذا وصلنا إلى درجتهم في العلم والتدبر والفهم، حق لنا عندئذ أن نفعل ما يشبه فعلهم، مع أن هدي الرسول أكمل وأعلم وأحكم.
أيها المؤمنون: وبسبب خطأ كثير من الناس في فهم المقصود من قراءة القرآن، ولهذا فإننا نجد البون الشاسع بين حال المسلمين وبين ما يقرؤونه في كتاب ربهم، الأمر الذي يدل على أنهم لم ينتفعوا بما يقرؤون
أين من صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله وهو يقرأ صباح مساء في اليوم والليلة سبعة عشرة مرة، قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين)، ولم يقل نعبد ونستعين بك، بل قدم المفعول، أي نعبدك ولا نعبد سواك، ونستعين بك، ولا نستعين بمن سواك، فأين الذين يستعينون بغير الله ويعتمدون على غيره، ويتوجهون إلى غير الله من هذه الآية.
أين الذين يذهبون إلى الغرب والشرق طالبين عونهم من دون الله، ونسو أن يمدوا أيديهم بطلب العون من الله، وأن تتوجه قلوبهم لطلب العون من الله، أين هم من قول الله جل وعلا (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)