تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن جرير الطبري (ليتدبروا حجج الله التي فيه، وما شرع الله فيه من الشرائع، فيتعظوا ويعملوا به)

ولهذا فإن التدبر لا يحدث إلا إذا تمت للقارئ أربعة مراحل:

الأولى: معرفة معاني الألفاظ، وما يراد بها

الثانية: تأمل ما تدل عليه الآيات، مما يفهم من السياق أو من تركيب الجمل

الثالثة: اعتبار العقل بحججه، وتحرك القلب بزواجره، وبشائره،

الرابعة: اليقين بأخباره، والخضوع لأوامره.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا )

قال الآجري في آداب حملة القرآن: فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله وما قبح فيه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغب فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرن شاهدا وشفيعا وأنيسًا وحرزًا، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة)

(لو أنزلنا هذا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون)َ

قال ابن القيم رحمه الله : وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله

وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة والتي بها فساد القلب وهلاكه

فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاجا إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح وقد ثبت عن النبي انه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .... ثم قال واسمع لما قال: فقراءة القرآن بالتفكر هي اصل صلاح القلب.

إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى لمطايانا بنورك هاديا

روى آبو أيوب عن آبى جمرة قال قلت لابن عباس أنى سريع القراءة إني أقرا القرآن في ثلاث قال لان اقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها احب إلي من أن اقرأ القرآن كما تقرأ.

كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله صلى العشاء الآخرة فقرأ بهم الإمام (إذا زلزلت الأرض زلزالها) فلما قضى الصلاة وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يفكر ويتنفس فقلت أقول لا يشتغل قلبه بي فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه وهو يقول يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا أجر النعمان عبدك من النار وما يقرب منها من السوء وأدخله في سعة رحمتك قال فأذنت فإذا القنديل يزهر وهو قائم فلما دخلت قال تريد أن تأخذ القنديل قال قلت قد أذنت لصلاة الغداة قال اكتم على ما رأيت وركع ركعتي الفجر وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل

ذم من لم يتدبر القرآن

يا عباد الله يا أمة القرآن: لقد ذم الله الذين لا يتدبرون كلامه ومثلهم بأقبح الأمثلة وأبشعها ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) قال الطرطوشي رحمه الله (فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا ثم لا يفهمه، ولا يعمل به)

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٨٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٨٤١