أما الوجه الثالث: وهو أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بكذا أو نسيئة بكذا، فهذا إذا كان البيع فيه واجبا فلا خلاف في أنه لا يجوز وأما إذ لم يكن البيع لازما في أحدهما فأجازه مالك، وجعله مالك من باب الخيار، لأنه إذا كان عنده على الخيار لم يتصور فيه ندم يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر، وهذا عند مالك هو المانع، وعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا لامكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولا إنقاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل ثم بدا له ولم يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة ومتفاضلا، وهذا كله إذا كان الثمن نقدا، وإن كان الثمن غير نقد بل طعاما دخله وجه آخر، وهو بيع الطعام بالطعام متفاضلا.وأما إذا قال: أشتري منك هذا الثوب نقدا بكذا على أن تبيعه مني إلى أجل .فهو عند مالك لا يجوز ، لأنه من باب العينة وهو بيع الرجل ما ليس عنده، ويدخله أيضا علة جهل الثمن.
وأما إذا قال له: أبيعك أحد هذين الثوبين بدينار وقد لزمه أحدهما أيهما يختار وافترقا قبل الخيار، فإذا كان الثوبان من صنفين وهما مما يجوز أن يسلم أحدهما في الثاني فإنه لا خلاف عند مالك في أنه لا يجوز، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إنه يجوز، وعلة المنع الجهل والغرر.وأما إن كانا من صنف واحد فيجوز عند مالك،فإنه أجازه لأنه يجيز الخيار بعد عقد البيع في الأصناف المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك.أ.هـ
المطلب الثالث: فقه الأحاديث الأخرى المرتبطة بالنهي عن بيعتين في بيعة:
عن أبي هريرة, قال : قال رسول الله r: " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا "(12)
أوكسهما : أقلهما(13).
فهذا الحديث ينطبق على بيع العينة : أن يبيع شيئاً بمائة إلى أجل ثم يشتريه ممن اشتراه بثمانين نقداً فهنا بيعتان أوكسهما الثمن الحال ، وأن اخذ بالأكثر أخذ الربا . وقد نزله الخطابي على بعض صور العينة(14).
وهذه الصورة هي عبارة عن وسيلة تتضمن الربا المحرم ولكن بحيلة تأخذ صورة البيع حيث يعود حاصل البيعين إلى أن يبدل نقوده بنقود أكثر وهذا ما موجود في الربا فلا يكون له الحق
إلا في أوكس الثمنين وهو النقد ، فأن أصر على الزيادة فقد أربى.
وقال الخطابي وغيره يحتمل أن يكون ذلك في قصة بعينها كأنه أسلف دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فطالبه فقال بعني القفيز الذي لك على إلى شهرين بقفيزين فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أوكسهما وهو الأصل فان تبايعا البيع الثاني قبل فسخ الأول كانا قد دخلا في الربا والله سبحانه وتعالى أعلم .(15)
وهنا يأخذ شكلا آخرا الحديث فهو يدخل في ضمن صورة بيع الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ
والذي نهى عنه الرسول r ، فعن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) أن النبي r" نهى عن بيع الكالئ بالكالئ "( 16)يعني : الدين بالدين.
فقد تبين أن صورة الرواية الثانية من خلال تطبيقها في صورة بيع العينة أو صورة بيع الدين بالدين ففي كلا الحالتين إن لم نأخذ بأوكس الثمنين فان الحالة ستؤول إلى الربا الفاحش وان البيع يتضمن العلة الربوية.
ويتوجه الحديث إلى معنى آخر من الصور أي نحو البيع الذي يتم على سعرين أو ثمنين من دون تعيين واحد منهما وهذا ما تكلمنا عنه في تفسير حديث النهي عن بيعتين في بيعة فان إضافة أوكسهما أو الربا يتوافق مع فكرة السعرين إما النقد أو النسيئة فأيهما شئت أخذت فان هنا العلة لم يتم تحديد أي السعرين تم الأخذ به ويغادر المجلس المتعاقدان دون الاتفاق على أي الثمنين ويفترقا على الإبهام والجهالة في المثمن وعدم استقرار الثمن ، فان أتى بعد مدة وطلب المشتري أخذ المثمن بسعر النقد ورفض البائع ذلك فعليه أن يعود إلى أوكسهما ( انقصهما) وهو النقد فان أبى إلا النسيئة فالموضوع دخل في حيز الربا، كأنه أخذ الزيادة في بيع النسيئة كمنفعة يشترطها دون رضى الطرف الآخر ؛ وبذلك لا يصح البيع .