لَمَّا عَلِمْتُ بأني لست أعجزهم ... فَوْتاً ولا هرباً قدمتُ أحتجبُ
فصرت بالبيت مسروراً به جذلاً... حاوي البراءة لا شكوى ولا شغب
فردا ًيحدثني حقًّا وينطق لي ... عن علم ما غاب عني منهُمُ الكتب
المؤنسون هُمُ اللائي عُنِيتُ بهم ... فليس لي في جليسٍ غيرهِم أرَبُ
للّه در جليسي لا جليسهم ... فذا عشيرهم للسوء يرتقبُ
ا.ه[160]
واعلم أنّ الكتاب لا يُعطيك أحسن ما عنده ما لم تُحسن التعامل معه, فكما أنّ الصديق أو القريب لن يُعطيك أحسن ما عنده, فكذلك الكتاب.
وكثيرٌ من الناس يشتكي عدم الرغبة في القراءة, وذلك لعدم تعامله التعامل الصحيح مع الكتاب.
فلذا: لابدّ من معرفة الطرق الصحيحة والنافعة في كيفية التعامل مع الكتاب.
وهذه الطرق تتلخص في إجابة ثلاثة أسئلة : لماذا تقرأ, ومتى تقرأ, وكيف تقرأ؟
وإجابتك لها بصدق: تحدد لك مدى انتفاعك بالقراءة من عدمها, ومدى صواب أو خطأ منهجك.
والإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة, تتلخص في الخطوات التالية:
1- لا تحرص على جمع الكتب بقدر ما تحرص على الاستفادة ممَّا عندك, وجمع الكتب قد يكون مرضًا إذا أسْرف طالب العلم في ذلك.
2- أكثر مِن القراءةِ والْمُطالعةِ, وأعط العلم كلَّك, واجعله من أهم واجباتك والتزاماتك.
واعلم أنّ مِن أعظم ثمارِ الإكثارِ مِن القراءةِ والْمُطالعةِ وتنوِّعِها ما يلي:
الثمرة الأولى: أنّ الفائدةَ التي قد تُغيّر حياتك, والكلمةَ التي قد تُصلح حالك, والعبارةَ التي قد تكونُ سَبَبَ نجاتِك ورفعتك في الدنيا والآخر, والْمُوصلةَ إلى الفردوس الأعلى من الجنة: لم تأت بعد, ولم تقع عينُك عليها, فأكثر من القراءة بنيّةٍ صادقةٍ علّك تجدها.
واعلم أنّ الله تعالى أكرم من أن يحرمك إياها إذا كنت صادقًا مُخلصًا.
وخذ شاهدًا على ذلك: أعرف طالب علمٍ قرأ بعض كتب السنة المسندة وغيرها, ومنها صحيح البخاري وشرحه لابن حجر كاملاً, وفي آخر المجلد الثالث عشر, وتحديدًا صفحة: (541) مرّ على هذه العبارة للحافظ: "وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر الرِّقَاق: أَنَّ آخِر مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة يُعْطَى مِثْل الدُّنْيَا وَعَشَرَة أَمْثَالهَا". ا.ه
فتأثر تأثرًا بالغًا بها, واستشعر نعيم الجنة, ومدى اتِّسَاعِها وكِبرها, وأنّ السموات السبع بأفلاكها ونجومها وكواكبها والأرضين السبع كلها إنما هي عرض الجنة, فكيف بطولِها وارْتفاعِها؟
وإذا كان آخر من يدخل الجنة هذا نعيمه وملكه, وهو الذي قد أفرط في الدنيا في المعاصي والذنوب والتقصير, فكيف بأصحاب اليمين والسابقين؟ ما هو ملكهم, وما هو نعيمهم؟
هكذا كان شعوره حينها, ولم يحصل له هذا الشعور ولا عشره في غيره من الأحاديث التي مرّ عليها وهي تتحدّث عن الجنة وصفتها ونعيم أهلها فيها, بل وإنَّ الحديث نفسه تكرر مرارًا في البخاري وشرحه مطولاً.
الثمرة الثانية: أنّ ذلك من أعظم أسباب توفيقك للعمل بالعلم, وقد ذكر الشاطبيّ رحمه الله تعالى "أَنَّ الْمُثَابَرَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ، وَعَدَمِ الِاجْتِزَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ؛ يجرُّ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ ويُلجئ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ: "كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا؛ فجرَّنا إِلَى الْآخِرَةِ".[161]
الثمرة الثالثة: اللذةُ والْمُتعةُ التي تُنسيك ملاذّ الدنيا, وتُؤثرها على مُتعها وزينتها وزُخرفها, حتى إنّ منهم من يُؤثر مُواصلة القراءة على ملاذّ النفسِ ومُتعها.
الثمرة الرابعة: أنْ تكتشف الفنّ الذي يُلائمُك, ويَتَنَاسب مع مُيُولك وقُدُراتِك.
فكم من طالب علم درج في علمٍ تلقّاه ممن حوله من مجتمع أو مشايخ أو أصدقاء, فلا يجد له نشاطًا وهمّة, ويمضي على ذلك سنواتٍ بلا نتائج واضحة, وما إنْ يُكثر ويُنوّع القراءة حتى تقع نفسُه على العلمِ الذي يستأنس به, ويجد مُيولاً تجاهَه, فيبرُع ويبرز فيه, وينشط له نشاطًا منقطع النظير.
وتُكسبُه مواهب كبيرة, وثمراتٍ عظيمة, ويجد نفسه - بعد مُضي زمنٍ ليس بأطول من الزمن الذي قضاه قبل انْكبابه على القراءة- مُؤلّفًا بارعًا, أو خطيبًا مِصْقعًا, ويرى هِمَّتَه تعلو, وروحَه للعلْياءِ تسمو.
بل كم أنقذ تنوّع القراءة والإكثارُ منها وانتشل أُنَاسًا غرقوا في علومٍ ضارَّة, ككتب الفلسفة والروايات والمنطق, بل وكتبٍ تزرع الشّبه والبدع, وهو قد كان يراها من أنفع الكتب وأحسنها.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهَا- أي الْعُلُوم - يَسْتَفِزُّ النَّاظِرَ اسْتِحْسَانُهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ، فَيَقْطَعُ فِيهَا عُمْرَهُ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا ما يتخذه مُعْتَمَدًا فِي عَمَلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، فَيَخِيبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَعْيُهُ". ا.ه[162]
الثمرة الخامسة: أنَّ كثيرًا من المسائل والعبارات التي اسْتشكَلْتَها, واستعصى عليك فهمُها في بداية الطلب أو بعده, حين مرورك عليها بعد كثرة المطالعة والبحث وطول الزمن تفهمها وتكون سهلةً عليك.
ولذلك تجد مَن يُكثر القراءة الْمَنْهجيّة النافعة- وسيأتي تفصيلُها- يتميّز بمزايا كثيرةٍ من أهمّها:
أولا: العزلة الغالبة عليه, ويستوحش من الناس, وذلك لِمَا ذاق من حلاوة العلم, ولذَّة القراءة.
ثانيًا: بُعده عن الشهرة والتّصدُّر, وانْشغالُه بنفسِه, واهتمامُه بإصلاح قلبِه, ويَتَجافى عن الأخلاق الرديئة, كالْكبر والغرور وازْدراءِ الآخرين, قنوعٌ بِمَا قُسم له.
ملاحظة: تَنُوُّعُ القراءة والإكثارُ منها قد تأتي بتنائج عكسية, وذلك إذا لم يُحسن القارئ اختيار الكتب التي يقرؤها, ولم يَسْتَشِرْ أهلَ الخبرة والتجربة والنصح.
3- نوِّع فنون العلم, وخاصةً علوم الآلة التي يعزف عنها الكثير من طلاب العلم, وخذ منها ما يكفيك, ولا تتوسعْ فيها على حساب العلوم الأهم.
4- الاهتمام بالأولويات في العلم, القرآن, ثم العقيدة, ثم السنة وفقهها, وابدأ بالْمُختصرات من كلّ فنّ.
وأقترح عليك العناية بهذه الكتب:
في التوحيد: ثلاثة الأصول وأدلتها، والقواعد الأربع، ثم كشف الشبهات، ثم كتاب التوحيد؛ أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، مع شروحها, هذا في توحيد العبادة.
وفي توحيد الأسماء والصفات: العقيدة الواسطيه، ثم الحموية؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، مع شرحيها, ثم الطحاوية مع شرحها.
وفي أصول التفسير: المقدمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, مع شرحها.
وفي التفسير: زبدة التفسير للشيخ سليمان الأشقر رحمه الله تعالى, ثم تفسير السعدي رحمه الله تعالى, ثم تهذيب تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى, (المصباح المنير).
وفي المصطلح: نخبة الفكر لابن حجر, والمنظومة البيقونية, مع شرحيها.
وفي الحديث: الأربعين" للنووي، ثم عمدة الأحكام للمقدسي، ثم بلوغ المرام لابن حجر، مع شروحها, ثم صحيح مسلم مع شرح القرطبي, ثم صحيح البخاري, مع شرح ابن بطال وهو مختصر مفيد, وشرح ابن حجر أشمل وأوسع.
وفي السلوك وأعمال القلوب: مدارج السالكين, لابن القيم رحمه الله تعالى (أو تهذيبه), وتهذيب إحياء علوم الدين للشيخ صالح الشامي.
وفي السيرة النبوية: مختصرها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، ثم الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى, ثم زاد المعاد لابن القيم رحمه الله تعالى.
وفي آثار السلف الصالح: يقرأ الكتب المعتنية بذلك, وقد جُمعت وحققت وعلّق عليها في كتاب: حياة السلف بين القول والعمل, في طبعته الرابعة.
وفي التاريخ: البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى.
وفي الأدب: كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى, وعيون الأخبار لابن قتيبة رحمه الله تعالى.
وفي النحو: الآجرومية، مع شرحها, ثم ملحة الإعراب للحريري, أو قطر الندى لابن هشام.
مع تطبيق عمليٍّ للنحو؛ وذلك بقراءة كتب الإعراب, ومن أفضلها كتب إعراب القرآن, حيث يبدأ الطالب بسورة الفاتحة, ثم يعرب بنفسه, ثم ينظر إلى كتب الإعراب, للتأكد من صحة إعرابه.
وفي لسان العرب: العناية بأشعارها، وفهم معانيها وألفاظها, ويبدأ بديوان الشافعي, ثم ديوان المتنبي, ثم ديوان أحمد شوقي, ومن أراد التوسع فعليه بديوان الحماسة, ثم بالمعلقات..
وفي الفوائد المتنوعة والخواطر: الفوائد لابن القيم رحمه الله تعالى, وصيد الخاطر لابن الجوزي رحمه الله تعالى, ورسائل ابن حزم رحمه الله تعالى.
وفي الفقه: آداب المشي إلى الصلاة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، ثم زاد المستنقع للحجاوي رحمه الله تعالى، مع شرح الشيخ صالح الفوزان, ومن أراد التوسع فعليه بالشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
وفي أصول الفقه: الورقات للجويني رحمه الله تعالى، مع شرحها.
وفي الفرائض: الرحبية، مع شرحها.
وفي الفتاوى: فتاوى ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
ثم ينتقل إلى كتب الحافظ ابن رجب, وكتب العلامة ابن القيم، ثم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله.
هذه هي المنهجيّة الصحيحة في التدرج, فكم ستُخرّج لنا طلابًا متمكّنين مُؤصّلين, يستطيعون- بمشيئة الله تعالى- باستيعابهم لهذه الكتب أنْ يُلْقوا المحاضرات النافعة, ويُدرّسوا العلوم المختلفة, ويخدموا أُمتهم ومُجتمعهم.
وكم ستغرس هذه الكتب في نُفوسِهم من الإيمان والسلوك والأخلاق الحميدة.
بل كم سيجني طالب العلم من قراءة بعض التفاسير النافعة, والعناية بصحيح البخاري ومسلمٍ وشرحِهما؟
ومع ذلك فهما من أواخر ما يُفكر فيهما كثيرٌ من طلاب العلم!
والله إنه من العجب أنْ يُهْمل طالب العلم - الذي قد يكون أمضى سنوات على الطلب- فهم وتدبّر وتفسير أصح كتاب على وجه الأرض, الذي ما أُنزل إلا لذلك, وأنْ يُهْمل كذلك أصح كتابين بعد القرآن: البخاري ومسلم!
ولا تُغني كتب الأحكام عنهما, كبلوغ المرام والمحرر وغيرهما, فلن تجد فيها الفوائد والنفائس العقدية والسلوكية والأخلاقية والتربويّة واللغويّة, كما تجدها فيها.
وقد خالف في هذا كثيرٌ من طلاب العلم, حيث تخصّصوا وتوسّعوا - بدايةَ طلبهم للعلم- في علوم الآلة, كالنحو, والأدب, والبلاغة, والأصول, وعلوم القرآن, وأهملوا أصولَ العلم.
فماذا ستستفيد الأُمّةُ من تفريعات هذه العلوم! وهي على حساب العلوم الأخرى المهمة والنافعة لهم ولغيرهم في علمهم وعملهم؟
وعلومُ الآلةِ وسيلةٌ وليستْ غايةً, فجعلُها غايةً تُصرف الأعمارُ عليها لا ينبغي.
قال ابن الجوزي رحمه الله: "الموَفَّق مَن طلب المهم؛ فإن العمر يعجز عن تحصيل الكل".
وقال: "أمّا العالم، فلا أقول له: اشْبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدم المهم؛ فإن العاقل من قدر عمره، وعمل بمقضتاه"..
فإذا علم العاقل أنَّ العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلًا بسماع الحديث ونسخه، ليحصل كل طريق وكل رواية وكل غريب، وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة، خصوصًا إن تشاغل بالنسخ، ثم لا يحفظ القرآن، أو يتشاغل بعلوم القرآن، ولا يعرف الحديث، أو بالخلاف في الفقه..
وقد عَلِمَ قِصَرَ العمر، وكثرة العِلْم: فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا، لا يخفى عليه بذلك منه شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبع، وأشياء من النحو، وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل، كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث، كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك.
ولْينظر في التواريخ، ليعرف ما لا يستغنى عنه، كنسب الرسول صلى الله عليه وسلم وأقاربه وأزواجه وما جرى له.
ثم لِيُقْبِلْ على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف..
ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض. ا.ه[163]
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله - أثناء حديثِه عن الهجرة إلى الله, بهجرانِ ما يكرهه, وإتيانِ ما يحبه ويرضاه-: "والذي يقضي منه العجب: أن المرء يُوَسِّع الكلام ويفرعُ المسائل في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام, وفي الهجرة التي انقطعت بالفتح، وهذه هجرة عارضة، ربما لا تتعلق به في العمر أصلاً.
وأما هذه الهجرة التي هي واجبة على مدى الأنفاس: فإنه لا يُحَصِّل فيها علمًا ولا إرادة! وما ذاك إلا للإعراض عمَّا خُلق له، وهذا حال من عَشَتْ بصيرته, وضعفت معرفته بمراتب العلوم والأعمال". ا.ه[164]
وصدق رحمه الله, فالذي ينبغي لطالب العلم أنْ يُوْلي أصول العلوم النافعة له ولغيره اهتمام كبيرًا, ويُقدمها على فضول العلم, والذي قد لا يستفيد هو منه في عمره ولا مرةً واحدة, كاختلاف البصريين والكوفيين في دقائق النحو, واختلاف الأصوليين في بعض فروع مسائلهم.
وأنا لا أُقَلِّلُ مِن شأنِ التخصص في بعض علوم الآلة, فلولا تخصّصُ أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث, وسيبويه وابن مالك وهشام في النحو, والخليل في العروض والشعر واللغة, والجرجاني في البلاغة, وابن معين في الجرح والتعديل.. لولا تخصّص هؤلاء لخسرت الأُمّةُ علومًا كثيرة.
ولكنّ التخصّص يكون بعد اسْتيعاب الأصول.
وهؤلاء الأَئِمة لم يتخصّصوا في علمٍ واحدٍ فقط, بل عُرف عنهم من خلال تراجمهم وسيرهم أنهم درسوا وتعلّموا كثيرًا من العلوم الأخرى, ولكنّهم وجدوا أنفسهم تميل إلى علمٍ معيّن فتبحّروا فيه, وهذا هو المطلوب من طالب العلم.
5- احرص في بداية الطلب على الفن الذي تجد نفسك تميل إليه, حتى تتدرب على القراءة, وتتعلق بها وتعشقها, فأمَّا إذا بدأت بالأصعب, أو الفن الذي تنجذب إليه, فربما أُصبت بالممل والسآمة, التي قد تصدّك عن العلم.
ولذلك قيل : "يجب على طالب العلم أن يبدأ فيه بالمهم ، وأن يختار من صنوفه ما هو أنشط له ، وطبعه به أغنى ، فإنَّ القبول على قدر النشاط ، والبلوغ على قدر العناية".[165]
6- لِيَحذر طالبُ العلم الْمُبتدئ من التوسع عند القراءة من بحث الإشكالات والتحقق من الأحاديث ونحو ذلك, حتى لا يُصاب بالملل والفتور.
7- لا تبدأ بالكتب الطويلة أو الصعبة, وابْدأ بالأسهل والأهم.
قال ابن عبد البر رحمه الله:"طلب العلم درجات ومناقل ورتب، لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل، ومن تعداه مجتهدا زل".[166]
8- احذر من كتب الردود والفتاوى قبل التمكن من العلم, فمن فعل ذلك أُصيب بأربعِ مصائب:
الأولى: الإدمان عليها, وعدمُ الرغبة في قراءة الكتب التأصيليّة فلذا تجد المكثرين منها لا يحتملون القراءة في كتب المطوّلات ونحوها.
الثانية: عدمُ التمكين, فهذه الكتب لا تُمكن طالب العلم ولا تُؤسّسه ولا تبنيه, وإنما تُكْتسبُه ثقافةً ضحلة, ومعلوماتٍ مُبعثرة.
الثالثة: كثرةُ الجدال والنقاش, وعندهم جُرأةٌ على بعضِ الأكابر, وذلك لأنهم تربّوا على الردود, فعندهم نفَسٌ على ذلك, ولكن لا يُنتفع - غالبًا - منهم, بل يُثيرون المسائل والإشكالات فقط.
الرابعةُ: إساءة الفهم, فالذي لم يمرّس على كتب التأصيل والمتون, قد يُسيء فهم هذه الكتب, وفهم مُراد صاحبها.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "وَمِنْ هُنَا لَا يُسْمَحُ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ نَظَرَ مُفِيدٍ أَوْ مُسْتَفِيدٍ؛ حَتَّى يَكُونَ رَيَّانَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، مَنْقُولِهَا وَمَعْقُولِهَا، غَيْرَ مُخْلِدٍ إِلَى التَّقْلِيدِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْمَذْهَبِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هَكَذَا؛ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِ مَا أَوْدَعَ فِيهِ فِتْنَةً بِالْعَرَضِ، وَإِنْ كَانَ حِكْمَةً بِالذَّاتِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للصواب". ا.ه[167]
فانظر كيف نهى عن القراءة في كتابه - مع أنه كتابٌ علميّ تأصيليّ- حَتَّى يَكُونَ رَيَّانَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، مَنْقُولِهَا وَمَعْقُولِهَا.
وهكذا يُقال في غيره من الكتب الصعبة, وكتب الردود والفتاوى.
9- لا تُكثر من تنويع القراءة اليومية, بل احرص على أنَّ تصبَّ جل تفكيرك واهتمامك على كتابٍ واحد حتى تُنهيه, وتعرف مُحتواه وماله وما عليه.
وفهم كتابٍ واحد واستيعابه خيرٌ من قراءة عشرات الكتب دون تأمل واستيعاب.
والعبرة بالكيف لا بالكم.
10- اعتنِ بالكتابة والتعليق على الكتاب, وكتابة تاريخ بداية ونهاية قراءتك له.
11- عدم التَّشعب في طلب ترجيحات المحققين, والاقتصار على محقق واحد في الجملة.
قال العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى -: أحثُّ طلبة العلم ، على أن لا يتشوّفو إلى الخلافات بين العلماء ، لأن النفوس تحب الاطلاع ، فتجد الرجل يحب أن يطلع على (المغني), على (شرح المهذّب) ليطلع على أقوال العلماء ، ولكنّ هذا بالنسبة للطالب المبتدئ ضررٌ عظيم؛ لأنه يتشتت ذهنه ولا يكون له شيءٌ يُركِّز عليه ، بل يُركِّز أولاً على الأشياء المختصرة ، التي ليس فيها أقوالٌ ، ولا أخذٌ وردّ ، ثم إذا ترعرع في العِلم ، ومشى شوطاً بعيداً ، فحينئذٍ يمكن أن يطّلع على خلاف العلماء.
كذلك أوصيكم ، إذا قرأتم على عدة مشايخ ، أن لا تدرسوا على كل شيخٍ ما درستموه على الآخر ، فمثلاً تدرسون على هذا في النحْو ، هو شيخكم لا تتعدّوه إلى غيره ، في التفسير! هو شيخكم ، لا تطلبوا التفسير عند غيره ، في الفقه! هو شيخكم لا تطلبوا الفقه عند غيره ، لأنكم إذا فعلتم ذلك ارتبكتم ، والعلماء يختلفون في علمهم وفهمهم ومآخذهم للأحكام من أدلتها اختلافاً كثيراً ، فلا تشتّتوا أذهانكم..
لا تجعلوا لأنفسكم شيخين في فنٍّ واحد ، فإنكم سوف تتعبون ، وسوف تتذبذبون, ثم إذا جلستم عند واحد ، وقرّر ما يقوله بالأدلة والتعليل ، ثم عند آخر وقرر خلافه بما يرى أنه دليلٌ وتعليل ، حينئذٍ يتوقّف الطالب! من يتبع ؟ فتضيع عليه الأمور. ا.ه[168]
12- البحث والترجيح من أهم ما ينبغي على طالب العلم أن يعتني به؛ وذلك لأن فيه فوائد ومنافع كثيرةً جدًّا, منها:
أولاً: أنه أفضل طريقٍ لنيل العلم وتأصيله, فإذا مرَّتْ بك مسألةٌ أو حكمٌ فقم بالبحث عن أدلته وبراهينه, واسْتنبط الحكم بنفسك, ودقّق ونقّح ورجّح, ثم اعرضه على شيخك أو أحد العلماء أو طلاب العلم, فستخرج بفائدة عظيمة.
ثانيًا: أنه يُؤدي إلى الحرص والحماس والنشاط, والشعور بالراحة والرضى في سيرك العلمي.
ثالثًا: أنه يوصل إلى القناعة التامة لما توصلت إليه, وإفتاء الناس بمسائل توصلت إلى نتائجها بعد معرفتك بالأدلة والحجج.
ولا يُمكن أن يصل طالب العلم إلى مرحلة الإفتاء إلا بكثر البحوث والتحقيقات, التي من خلالها يتوصل إلى الحكم بدليله.
والبحث يكون لطالب العلم المبتدئ في غير قراءته المنهجية, حتى لا يتشتت, بل إذا انتهى من حفظه أو قراءته رجع إلى المسائل المشكلة عنده فَبَحَثها وتَحَقَّقَ منها.
ويتأكد البحث والترجيح والنظر في الأدلة لطالب العلم الذي قطع شوطًا في طلب العلم, وأمضى زمانًا في حضور الدروس والقراءة, ولا ينبغي له أنْ يُقلِّدَ شيخه ويكتفي بترجيحات وتقريراتِه, فإنّ شيخ الإسلام رحمه الله يرى تحريم التقليد للقادر على الاجتهاد إلا عند العجز, فأما عند القدرة فلا يجوز له تقليد مذهبه أو شيخه, قال رحمه الله: فَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ؟
هَذَا فِيهِ خِلَافٌ, وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ :
1- إمَّا لِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ.
2- وَإِمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ الِاجْتِهَادِ.
3- وَإِمَّا لِعَدَمِ ظُهُورِ دَلِيلٍ لَهُ.
فَإِنَّهُ حَيْثُ عَجَزَ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَانْتَقَلَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ التَّقْلِيدُ, كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ. ا.هـ[169]
وقد نصّ على ذلك في مواضع أخرى منها قوله: "وَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ فَقِيلَ : يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا, وَقِيلَ : يَجُوزُ مُطْلَقًا, وَقِيلَ : يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ؛ كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ, وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ". ا.هـ[170]
فينبغي أنْ يتنبه لهذا طلاب العلم الذين أمضوا سنوات وهم يدرسون العلم عند المشايخ في المساجد والجامعات ونحوها, فكثيرٌ منهم يكتفي بترجيحات وتقريرات شيخه, فهو لازال مُقلّدًا, والشيخ رحمه الله يرى تحريم تقليد مثل هذا؛ لقدرته على الاجتهاد.
والواجب على المشايخ أنْ يحثّوا طلابهم على البحث والترجيح والاعتماد بعد الله تعالى على اجتهادهم وبحثهم.
وإذا بحث طالب العلم مسألة فيحق له الإفتاء فيها, لأن جماهير العلماء على أن الإفتاء يتجزأ, وليس من شرطه أن يكون المجتهد عالِمًا بتفاصيل الشريعة كلها, حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "الْعَامِّيُّ إذَا أَمْكَنَهُ الِاجْتِهَادُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ, فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ مُنْصِبٌ يَقْبَلُ التجزي وَالِانْقِسَامَ, فَالْعِبْرَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ, وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ قَادِرًا فِي بَعْضٍ عَاجِزًا فِي بَعْضٍ". ا.ه[171]
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: الِاجْتِهَادُ حَالَةٌ تَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ وَالِانْقِسَامَ , فَيَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مُقَلِّدًا فِي غَيْرِهِ , أَوْ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ , كَمَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي نَوْعِ الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَأَدِلَّتِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ , أَوْ فِي بَابِ الْجِهَادِ أَوْ الْحَجِّ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ; فَهَذَا لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِيمَا لَمْ يَجْتَهِدْ فِيهِ , وَلَا تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِمَا اجْتَهَدَ فِيهِ مُسَوِّغَةً لَهُ الْإِفْتَاءَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي غَيْرِهِ , وَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي النَّوْعِ الَّذِي اجْتَهَدَ فِيهِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَصَحُّهَا الْجَوَازُ , بَلْ هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ..
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ مَسْأَلَةٍ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ , هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِمَا ؟
قِيلَ : نَعَمْ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.. وَهَلْ هَذَا إلَّا مِنْ التَّبْلِيغِ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ , وَجَزَى اللَّهُ مِنْ أَعَانَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ خَيْرًا , وَمَنْعُ هَذَا مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا عَلِمَ خَطَأٌ مَحْضٌ. ا.ه[172]
فالخوف المفرط من الفتوى لطالب العلم الذي أمضى سنوات طويلة في العلم والدروس والبحث فيه نوعٌ من المبالغة التي ليست في محلها.
وهذا الخوف الذي يُصيب طالب العلم يُسبب له الضعف والجبن وعدم الثقة بالنفس, ويظل ناقلاً ومقلّدًا لا مُجتهدًا, تابعًا لا متبوعًا.
علمًا أنه لا يُتصور ألا يُفتي طالب علم بل ولا كثير من العامة, لأنّ الفتوى في الاصطلاح: الإخبار عن حكم الشرع لا على وجه الإلزام.
وهذا التعريف شاملٌ لما أخبر به المفتي مما نص عليه الكتابُ والسنةُ، أو أجمعت عليه الأمة، ولما استنبطه وفهمه باجتهاده.
فالأول والثاني لا يكاد أحد فهم الإسلام إلا قال به, فمن سُئل حكم حكم صوم رمضان, فهل سيقول: لا أفتي؟ بل سيُجيب: واجب على المكلف المستطيع.
وهذا فتوى, لكنه لَمَّا علم الحكم بيقين جاز له الفتى.
بقي الأخير, وهو: ما استنبطه وفهمه باجتهاده, وهذا جائز لطالب العلم الذي استفرغ وسعه في بحث مسألة وفهم أدلتها وأقوال العلماء فيها.
13- مِن أعظم ما يُفسد طالب العلم طلبه لغرائب العلم, ومسائله الدقيقة قبل تمكنه من العلم, فإنَّ مَن فعل ذلك غالبًا يُحجب عن العلم وعن التوفيق فيه.
وعند الترمذي[173] أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ.
وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: لا تعلَّموا العِلمَ لثلاثٍ : لِتُماروا به السُّفَهاء ، أو لِتُجادِلوا به الفُقهاء ، أو لتصرفوا بهِ وُجُوه النَّاس إليكم ، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقَى ويذهبُ ما سواهُ.
14- لا يستغني طالب العلم عن قراءة المطولات, لكن بعد أنْ يُتْقن المختصرات مع شروحاتها.
قال ابن الجهم: ما قرأتُ قط كتابًا كبيًرا فأخلاني من فائدة، وما أحصي كم قرأتُ من صغار الكتب فخرجتُ منها كما دخلتُ. ا.ه[174]
واعلم أنّ قراءةَ الكتبِ الْمُطوّلةِ كصعود الجبل الشاهق, متى ما نظرت إلى قمّته أُحبطت وفترت, ومتى ما اهتممت بموضع قدميك صعدت بنشاط وأمل وسعادة.
فالذي يصعد الجبل لا ينظر إلى القمة حتى لا يُصاب بالإحباط, ويشعر بصعوبة الصعود, وينتابه الخوف من السقوط, بل ينبغي له أنْ ينظر إلى موطئ قدمه, ويُحدث نفسه بقرب الوصول, ويعيش لحظات سيره, ولا يحمل همّ وصوله, فما هي إلا خطوات قليلة حتى يصل للقمة.
وهكذا ينبغي لِمَن يقرأ المطولات أنْ يستمتع بأُولى الصفحات, ويُنهي الصفحة تلو الصفحة ويعيش معها, ويستمتع بالمعلومات التي يمر عليها, ولا ينظر إلى المجلد الذي يليه حتى يُنهي المجلد الأول, وهكذا يعيش طوال أيام قراءته بسعادة وراحة ولذة, وما هي إلا أيام قليلة - مُقارنة بعمره إن مدّ الله به- حتى يُنهي عشرات المجلدات, ويكتسبَ العلم والفهم والتمكين بحول الله تعالى.
فإن الكتب المختصرة, والمتون الصغيرة ولو مع شرحها لا تُخرج طالب علم متمكن مُؤصل, قادر على الإفتاء في النوازل, واستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية.
فعش لحظات القراءة, ولا تحمل همَّ النهاية.
15- احرص على كتب المتقدمين, ولا تكتف بكتب المتأخرين مهما بلغ علمهم, وهذه المرحلةُ لا يصل إليها طالبُ العلم إلا بعد قطعه مشواراً في العلم, وأخذه عن علمائه ومشايخه, وقراءته لشروحهم وشروح المتأخرين المعروفين بالعلم والتحقيق.
وكن على يقينٍ أنك إذا قرأتَ من حيث قرأ العلماءُ الكبارُ ستصل مثل ما وصلوا, وإذا قرأت من حيث انتهوا سَتَحُوم حول ما اسْتنتجوا.
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى أنّ من شروط مُطالعة كتب الْمُصنّفين "أَنْ يَتَحَرَّى كُتُبَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُمْ أَقْعَدُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ وَالْخَبَرُ".[175]
16- إذا لم تفهم بعض فصول وأبواب كتاب, فاطْرق بابين:
الأول: باب من بيده خزائن السموات والأرض, فالْجأ إليه سبحانه أنْ يُعلمك ويُفهّمك, وإذا صدقت مع الله صدقك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وَكَانَ شَيْخُنَا إذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ يَقُولُ " يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمَ عَلِّمْنِي " وَيُكْثِرُ الِاسْتِعَانَةَ بِذَلِكَ..
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ , وَجَرَّبْنَا نَحْنُ ذَلِكَ فَرَأَيْنَاهُ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِصَابَةِ . وَالْمُعَوِّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ , وَخُلُوصِ الْقَصْدِ , وَصِدْقِ التَّوَجُّهِ فِي الِاسْتِمْدَادِ مِنْ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ مُعَلَّمِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ مَنْ صَدَقَ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهِ لِتَبْلِيغِ دِينِهِ وَإِرْشَادِ عَبِيدِهِ وَنَصِيحَتِهِمْ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ , فَإِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَرَغْبَتُهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرًا إنْ فَاتَهُ أَجْرَانِ..
وَكُلَّمَا بَعُدَ عَنْ اللَّهِ كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْمُعَارَضَاتُ , وَضَعُفَ نُورُ كَشْفِهِ لِلصَّوَابِ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ , يُفَرِّقُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ. ا.ه[176]
الثاني: باب العلماء الربّانيّين, ولا تطرق بابهم إلا بعد طرق الباب الأول, وكثيرٌ من طلاب العلم إذا أشكلت عليه مسألةٌ قال: لها فلان! أو سيحلّ إشكالها الشيخ الفلانيّ! وهذا خطأ, بل بادر عند انْغلاق بابٍ أو مسألة في العلم إلى الله تعالى أولاً, ثم استعن بالعلماء.
وإذا لم يُفتح عليك, أو لم تُوفق لفهمها, فتجاوزها إلى ما بعدها, وضع علامةً عليها تُشير إلى أنك لم تفهمها, وانها تحتاج إلى مُراجعة.
وبالتجربة فإنّ كثيرًا مِمَّا لا يُفهم أوائل طلب العلم يُفهم بعد النضج وقطعٍ شوطٍ فيه.
17- ابحث عن الكتاب الذي ينفعك, وليس النافع والْمُفيد؛ لأنه ليس كلّ كتاب مفيد ينفعك.
فالكتب النافعة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: كتب صعبةٌ أو مُطوّلةٌ, فهذه لا ينبغي للمبتدئ أنْ يقربها, فلن ينتفع بها إلا شيئًا يسيرًا, وسوف تمضي عليه السنون ولم يُحصّل علمًا ينفعه ويبنيه.
وقد تكون هذه الكتب ضارةً عليه, كما قال الشاطبي رحمه الله -كما تقدّم-.
فلا ينبغي لطالب العلم أنْ يقرأ كلّ ما أراد, بل لابد من التدرج في الطلب, وليس العبرة بكثرة القراءة.
القسم الثاني: كتبٌ سهلةٌ لا تحتاج إلى إعمال فكر, ولا تبني مَلَكةً وفهمًا, ككتب القصص الحديثة, والإغراق في كتب الرقائق.
فهذه الكتب لا تبني طالب العلم, بل الإكثار منها يُصيبه بآفات كثيرة, منها:
أ- عدم رسوخه في العلم, ولن تُغير فيه تغييرا جذريًّا, بل يُعطيه ثقافةً يسيرة في علوم شتَّى.
ب- أنها تَحْجُبُه عن الاستفادة من كتب أهم منها.
ج – أنها لن تبعث فيه النشاط والهمّة في الطلب, وبقدر قلّة رسوخه يقل عمله في الغالب, كما قال الشاطبي رحمه الله: عَلَى أَنَّ الْمُثَابَرَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ، وَعَدَمِ الِاجْتِزَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ؛ يجرُّ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ ويُلجئ إِلَيْهِ[177]، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ: "كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا؛ فجرَّنا إِلَى الْآخِرَةِ"..
18- إذا بدأت قراءة كتاب تحققت منفعتَه لك, فلا تتركه وإن رأيت فيه صعوبة, تمامًا كما تفعل مع الصديق الوفي, الذي حصل منه في بعض الأيام جفاءٌ أو زلّةٌ, فإنْ تركته لأجل ذلك لن يدوم لك صديق, وإذا تركت قراءة الكتب لأجل بعض الصعوبة التي تواجهها في بعض المواضع, لن تُوفق لطلب العلم.
والنفس إذا رأت منك الحزم والعزم على إنهاء الكتاب مهما حصل, لانت وسلّمت, وإن رأت منك بعض التردد عسرت وأحجمت.
19- اجعل الكتاب هو الصديق الأول, والحبيب المفضل, بعد حقوق الله تعالى وحقوق والديك ومن تعول.
فإذا لم تكن علاقتك مع كتابك بهذه الْمثابة, فإنَّ دعواك بأنك طالب علم دعوى مجردة عن الدليل, وأنت تزكي نفسك, وتَدَّعي ما ليس لها.
20- اقرأ الكتاب قراءةً منهجيّةً صحيحة.
ولأهميّة هذا الأمر سأبسط القول فيه تحت هذا العنوان:
إنَّ الْمُتأمِّل في حال كثيرٍ من الناس- وخاصَّةً طلبة العلم- أنهم يقرؤون الكتب, ويحرصون على اقتنائها, بل وكثيرٌ منهم ملأ مكتبته بأمّهات وجُزئيَّات وتفاصيل الكتب, لكن القليل منهم مَن استفاد منها فائدةً كبيرة, واستخلص من جملتها فوائد كثيرة.
وما أكثر مَن يقرأ الكتاب من أوله إلى آخره, وعندما ينتهي منه يُغلقه ويُودِّعه وداعَ مسافر لا ينوي الرجوع, فلا هو أسْمنه ولا هو أغناه من جُوع, إن سألته عن محتواه وفحواه: عصر ذاكرته وأعطاك كلمةً أو كلمتين!, وإن سألته عن مسألةٍ كان قد قرأها في هذا الكتاب لاحت في ذكرياته طرفُها, ورأى طيفَها وخيالَها, وإن كان قريبَ عهدٍ بالكتاب قال: ذكرها فلانٌ في كتابه ورجَّح كذا وكذا, دون سردٍ للأدلة والبراهين, ومعرفةٍ لحجج المخالفين!.
وكلّ هذا لأنَّ قراءتهم فيها قصورٌ وخلل, فينبغي للقارئ كي يَخرج من الكتاب بأكبر فائدةٍ مرجوَّة: أنْ تكون قراءته مُنضبطةً وفق منهجيَّةٍ دقيقة, وكما هي الحال عند كلِّ العلماء والفطاحلة من أهل العلم.
والكثير من طلاب العلم يأخذون القراءة على أنَّها هِواية ومُتعة, فلذا لا تجدهم يتعبون في القراءة, بل متى ما أحسوا بالملل قاموا بتغيير الكتاب أو الفن.
وغالب هؤلاء يقرؤون فيما يشدّهم غالباً, فيقرؤون في كتبِ الردود, أو القصص, أو المقالات, أو كتب التاريخ المختصرة.
ولا ينبغي الاقتصار على حضور الدروس العلمية, ومع أهميتها وعدم الاسْتغناء عنها, إلا أنها لا تكفي ولا تُغني عن القراءة, ولم يصل أحدٌ إلى مرتبة العلم والعلماء إلا بكثرةِ القراءةِ والاطلاع, فلذا ممَّا ينبغي أنْ يعتنيَ به الشيخ والمعلم أنْ يُعلق الطالب بالكتب ويُشجعه على القراءة, ولا يجعله يعتمد على الدروس فقط.
قال ابن جماعة رحمه الله: وقلَّ أنْ يُفْلِحَ مَن يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة, ثم يتركه ويقوم ولا يُعاوده. ا.ه[178]
وطلاب العلم لا يخلون من أقسام ثلاثة:
القسم الأول: من يعتمد على الشيخ اعتمادًا كليًّا في تلقيه وتعلّمه.
القسم الثاني: من يعتمد عليه في بداية الطلب, ويقرأ ويبحث ويحفظ أثناء تلقيه, ويحرص على الأخذ من حيث أخذ شيخُه, ثم يشرع في التعليم أو التأليف.
القسم الثالث: من يُنَوِّع القراءة والشيوخ, ويأخذ من الفنون ما يهواه ويميل إليه, ولا يصبر على فنٍّ حتى يُتقنه, ولا على شيخٍ حتى يستفيد منه أكبر فائدة.
وحالهم كحال طلاب المال بالتجارة والعمل, فهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من يعتمد على صاحب المحل, فيُساعده في البيع ونحوه, فلا يترقى في المعرفة, وهذا يظل طول عمره في البيع مُعتمدًا على راتب من صاحب المحل.
فهذا يأتي للمحل مُكرهًا؛ لحاجته للراتب الذي يأخذه, ولا يشعر بالسعادة والراحة النفسيّة, بل يدب إليه الملل والفتور.
القسم الثاني: من يعتمد على صاحب المحل لاكتساب الخبرة منه, وينشط في معرفة وتفاصيل العمل والبيع والشراء, حتى إذا أتقن العمل فتح محلاً بنفسه, واعتمد بعد الله على خبراته السابقة, وطور من أدائه وترقى في اكتساب المعرفة وتنويع البضاعات, برويَّةٍ وتحديدٍ للهدف, ورسم للخطط, فيزداد كسبًا للمال والخبرة, ويفتح المزيد من المحلات, وهكذا حتى يُصبح من كبار التجار.
فهذا لا يمل من عمله, ويشعر بالراحة والسعادة ولو واجه الصعاب والمتاعب, بل تكون عنده حلوةً, ويشعر بالثقة في نفسه.
القسم الثالث: من لا يستقر في مهنة واحدة, بل يعمل مرةً عملاً ثم يتركه إلى عمل آخر.
فهذا يضيع عمره وهو يظن أنه على شيء, ويُهدر وقته بلا فائدة تُذكر, ويكتسب ثقافة وبعض الخبرة من تنوع أعماله, ولكنه لا يستقر بيده مال يُساوي عناءه.
فانظر من أيِّ الأقسام الثلاثة أنت, والظن بك أنك من القسم الثاني.
وفقك الله وسدَّدك, وجعلكَ مُباركًا أينما كنت, ونفع بك الأمة الإسلامية, التي هي بأمس الحاجة إلى أمثالك.
فلذا لا بدّ من الجدية في القراءة, وذلك بالقراءَةِ الْمَنْهَجِيَّة.
تعريف القراءة المنهجية: هي القراءَةُ في علم من العلوم, وفق خُطَّةٍ مدروسة, وأهدافٍ واضحة, وكيفيَّةٍ مُعيَّنة.
أهدافها:
1- المتعة واللذة في القراءة, فإذا كان من يقرأ قراءةً حُرَّةً يستمتع ويتلذَّذ في قراءته, فمن يقرأ قراءة منهجية لا تُوصف لذَّته, ولا تُحدُّ مُتعتُه.
2- الخروج من القراءة بنتيجةٍ مُرضيةٍ على المدى القريب والبعيد.
3- التَّمَكُّن من العلم, والرسوخُ فيه.
4- الثقة في النفس, وحصولُ الارتياح, وعدم تأنيب الضمير من كثرة القراءة دون فائدةٍ تُذكر.
فمثَلُ مَن يقرأ قراءةً منهجية ومَن يقرأ قراءةً عشوائية: كمثل رجلين ابْتدأ كلُّ واحدٍ منهما بناء بيتٍ له, فأحدهما بدأ البناء دون سابِق خبرة, ودون وضع خريطةٍ للبيت, ودون اسْتشارةِ أهل الخبرة, فهو يبني بتخبُّطٍ وارْتجال, ولا يعرف متى ينتهي, ولا كيف سيكون البيت إذا انتهى, وممَّا لا شك فيه, أنه سيخسر مالاً أكثر بسبب كثرة التعديلات, وستتأثر نفسيَّتُه بسبب عدم وضوح معالم البيت, وفي النّهَاية سيكون بيتُه رديئًا غيرَ مُنظّمٍ, وربما تعرض للصُّدوع والوهن مع مرور الوقت.
وأما صاحبُه فقد بدأ البناء بِخِبْرَةٍ كافِيَةٍ, ووضعَ خريطةً دقيقةً ومرسومَةً للبيت, واسْتشارَ أهل الخبرة والفنّ, فهو يبني بثقة, ويمشي بخُطَّة, ويعرف متى سَيَنْتَهي, وكيف سيكون البيت إذا انتهى, وممَّا لا شك فيه, أنه سيُوفِّرُ مالاً أكثر من الأول, ولن تتأثر نفسيَّتُه, وفي النّهَاية سيكون بيتُه مُتناسقًا جيَّدًا صالحًا للسكن.
5- القدرةُ على التأليف والكتابة بطلاقة وسرعةٍ وثقة.
كيفيتها: يتبيَّن من التعريف كيفيتها, وذلك باتخاذ الخطوات التالية:
1- الاقتصارُ على علمٍ وفنٍّ واحدٍ بقدر الإمكان, حيث يُركز طالب العلم وقته وهمَّه فيه, دون التذبذب والتشتت في تنويع القراءة.
2- وضعُ خُطَّةٍ مدروسة, ووضعُ الخطة يكون كالتالي:
أ- معرفةُ ما ستقرؤه خلال مدةٍ من الزمن, أشهر أو سنوات, مع ترتيب الكتب حسب الأولوية والأهمية, بعد اسْتشارة أهل الخبرة.
ب- وضعُ زمنٍ محدد لهذه المدة بقدر الإمكان.
ج- التفرغُ يوميًّا بحسب الوقت الذي يُسمح للقارئ, وكلَّما كان أطول كان أفضل.
3- وضعُ أهدافٍ واضحة مُحدَّدة, والهدف لا يكون عامًا, بل خاصًّا جداً.
4- القراءةُ بكيفيَّةٍ وطريقةٍ مُعينة, لا عشوائيةٍ, وذلك كالتالي:
أ- عندما تُمسك بالكتاب لا بدّ أن تتوفَّر فيك شخصيَّتان خلال قراءتك:
1- شخصية الطالب الْمُتلهِّف.
وبهذه الشخصيّةِ تحرص على الاستفادة من مادة الكتاب, وتسعى إلى فهمها وضبطِها.
2- شخصية الْمُحقِّق الْمُحترف.
وبهذه الشخصيّةِ تزاداد تركيزًا وانتبهًا, حيث لا تُمرر كل كلامٍ يُقال, فحينها ينشط ذهنك وعقلك للفهم والنظر والتأمل.
فعندما تبدأ القراءة: تعرَّف على المؤلِّف, لتعرف قيمةَ المؤَلَّف, وراجع الفهرس بعجالة لتعرف مضمون الكتاب, ثم ابدأ قراءته بتمهل وتدقيق في العبارات والجمل, ولا تتجاوز فائدةً إلا فهمتها, ولا فصلاً إلا وعيتَه, ولا تبدأ بقراءة الكتاب وبالُك مشغول, ولا تنْتهِ منه حتى تُتمَّه, وقيِّد كلَّ ما اسْتفدته من الفوائد واللَّطائف, وهذا من أهم الأمور, والتقييد له طريقتان:
الطريقة الأولى: التلخيص, وهو أن تلخص الكتاب تلخيصًا دقيقًا, وتسْتخرج زبدةَ الكتاب ولُبَّه, وكأنك ستقدمه لمن يقرؤه بعدك ويستفيد منه. وهذه الطريقة هي أفضل وأنفع.
والتلخيصُ دَيدنُ كثيرٍ من العلماء السابقين, والأئمَّةِ الربانيين, فهذا العلَّامةُ الذهبي رحمه الله لخَّص كتاب مِنْهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, وسمى تلخيصه: المنتقى, والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله, لخص عدة كتب منها: الشرح الكبير مع الإنصاف, وسمَّاه: مختصر الإنصاف والشرح الكبير. والعلامة البعليّ اختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية رحمهما الله.
وهذا لعلمهم رحمهم الله تعالى أن اختصار الكتب أنفع لهم ولغيرهم مِن بعدهم.
واختصار الكتب له فوائد كثيرة جدا، من أهمها:
أ- حفظ كتب الأصل, وتظهر هذه الثمرة في الزمن السابق: والأمثلة لذلك كثيرة، أكتفي بمثالين:
- كتاب (سيرة ابن هشام)، التي هي اختصارٌ لسيرة ابن اسحاق المفقودة.
- كتاب (غاية النهاية لابن الجزري) اختصار- مع زيادات أخرى كما أوضح ذلك في المقدمة- لكتاب طبقات القُرَّاء ﻷبي عمر الداني المفقود.
ب- أنه يُعين على ضبط وإتقان الملخص.
الطريقة الثانية: كتابة الفوائد على شكل نقاط, وتضع أمام كل فائدة رقم الصفحة, ليسهل عليك الرجوع إليها.
وأسهل وأحسن وسيلةٍ للقيام بهاتين الطَّريقتين في العصر الحاضر: أن تجعل الحاسب الآلي أمامك, وتفتح الكتاب الإلكتروني من خلاله, وهو في الغالب موجودٌ في المكتبة الشاملة, وتجعل الكتاب الورقيّ بين يديك, فعندما تمر بفائدة, أو تريد تلخيص كلامٍ: اذهب إلى مكانه في الحاسب, وقم بنَسْخه ولصقه في ملف الوورد, بدلاً من الكتابة باليد.
وافتح مُجلَّدًا لكلِّ كتابٍ تقرؤه, ثم افتح فيه نوافذ وورد, واكتب على كلّ ملفٍ ما يلي:
1- منهجيَّة المؤلِّف في كتابِه وشخصيَّتَة وعقيدتُه.
ثم دوِّن فيه ما يتعلق بهذا الموضوع, وأعط قلمك الحرية والمرونة.
2- نبذة تعريفيّة عن الكتاب, وهي شبيةٌ بالفهرس, وهذه تكتبها أثناء قراءتك له, ولا تعتمد أبدًا على جهد المحقق.
3- فوائد في العقيدة.
4- فوائد في الفقه.
5- فوائد في السلوك.
وعلى حسب الكتاب تفتح نوافذ أكثر, فإن كان يهتمّ بالحديث فضع ملفًا اسمه: فوائد حديثيّة ونحو ذلك.
6- المآخذ العلمية حول الكتاب.
7- ترجيحاتُه.
8- ردودُه واسْتدراكاتُه.
وخلال القراءة تأمَّلْ في أيِّ كلامٍ وترجيحٍ لم تقتنعْ منه, وتأملْ في أيِّ حديثٍ فيه ضعفٌ أو كلام- والْمُحقّق يُبَيِّنُ ذلك غالبًا- وإذا مرّ بك تصحيفٌ أو خطأٌ مطبعيٌّ فعدِّله وصوِّبه.
واكتب في الحاشية ما تراه من تعليقٍ أو تعقيب أو تصحيحٍ - دون البحث في المراجع الأخرى, وإلا لطال الزمن في القراءة-.
وكن جريئًا وواثقًا خلال تعليقك وترجيحك وإبداءِ رأيك.
فإنّ كلّ قولٍ لا نصّ فيه من الشرع الحكيم قد يقبل الأخذ والردّ, والْمُصَنّفون في الأصول والفقه والنحو وعلوم القرآن لم يجعلوا كتبهم حُجّةً يجب الرجوعُ إليها في كلّ شيء, ولم يدّعوا أنّ أقوالهم كلّها صحيحةً لا يجوز الاستدراك عليها.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في مقدّمة كتابه: "الموافقات"[179] شارحًا الغرض من تأليفِه: لِيَكُونَ -أَيُّهَا الْخِلُّ الصَّفِّيُّ، وَالصَّدِيقُ الْوَفِيُّ- هَذَا الْكِتَابُ عَوْنًا لَكَ فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ، وَشَارِحًا لِمَعَانِي الْوِفَاقِ وَالتَّوْفِيقِ، لَا لِيَكُونَ عُمْدَتَكَ فِي كُلِّ تَحَقُّقٍ وَتَحْقِيقٍ، وَمَرْجِعَكَ فِي جَمِيعِ مَا يعنُّ لَكَ مِنْ تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ؛ إِذْ قَدْ صَارَ عِلْمًا مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ، وَرَسْمًا كَسَائِرِ الرُّسُومِ، وَمَوْرِدًا لِاخْتِلَافِ الْعُقُولِ وَتَعَارُضِ الْفُهُومِ، لَا جَرَمَ أَنَّهُ قَرَّبَ عَلَيْكَ فِي الْمَسِيرِ، وَأَعْلَمَكَ كَيْفَ تَرْقَى فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَإِلَى أَيْنَ تَسِيرُ، وَوَقَفَ بِكَ مِنَ الطَّرِيقِ السَّابِلَةِ عَلَى الظَّهر، وَخَطَبَ لَكَ عَرَائِسَ الْحِكْمَةِ ثُمَّ وَهَبَ لَكَ الْمَهْرَ.
فقدِّمْ قَدَم عَزْمِكَ؛ فَإِذَا أَنْتَ بِحَوْلِ اللَّهِ قَدْ وَصَلْتَ، وَأَقْبِلْ عَلَى مَا قِبَلك مِنْهُ؛ فَهَا أَنْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَدْ فُزْتَ بِمَا حَصَّلْتَ، وَإِيَّاكَ وَإِقْدَامَ الْجَبَانِ، وَالْوُقُوفَ مَعَ الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ، وَالْإِخْلَادَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّصْمِيمِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، وَفَارِقْ وَهَد[180] التَّقْلِيدِ رَاقِيًا إِلَى يَفَاع الِاسْتِبْصَارِ". ا.ه
تأمل قولَه: "لَا لِيَكُونَ عُمْدَتَكَ فِي كُلِّ تَحَقُّقٍ وَتَحْقِيقٍ، وَمَرْجِعَكَ فِي جَمِيعِ مَا يعنُّ لَكَ مِنْ تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ", أي لا تجعل ما في كتابي هو العمدةُ والمرجع الوحيد, بل هو عونٌ لك على الفهم وتقريبِ والعلم, فقد يكون فيه ما يُخالف المذهب الحقّ, وليس كلامي نصًّا من القرآن والسنة لتحتج به على غيرك, ولكن اسْتئنس به واسْتشهد به.
ثم تأمل كيف نهاك عن التقليد له أو لغيرِه.
وقد "جعل التقليد بمنزلة الوَهَد، وهو المنخفض من الأرض؛ لأن المقلد لا يرمي ببصره إلى ما وراء قول متبوعه أو فعله، فكأنه في منحدر تمنعه جوانبه من أن يمد عينه إلى ما خلفه من ملكوت السموات والأرض، وجعل التبصر بمكان اليفاع وهو الرابية؛ لأن المتبصر لا يقف بفكره جامدا على ما يسبق إليه من قول أو يشهده من عمل، بل ينفذ ببصيرته الصافية إلى مرتقى الاستدلال؛ فكأنه قائم على أكمة يشرف منها على مواقع شتى ليتخير من بينها أبدع المناظر وأصفى الموارد".[181]
والمقصودُ أنْ تعلّق في الحاشية ما تراه وما تُلاحظه.
فعندها ستشعر بانتماءٍ عجيبٍ نحو الكتاب, ومحبةٍ وشغفٍ لإكماله, وفائدةٍ عظيمة عند الانتهاء منه.
وتكون بهذا قدْ وَعَيْت الكتاب وفهمتَه, ويسهل عليك اسْتحضاره والرجوع لأيّ جزءٍ من أجزائه.
ولعله يكون سببًا لجعله مادةً علميَّةً ينتفع بها غيرُك, أو يكون حافزًا لك على اختصار وتهذيب أُمَّهات الكتب التي تشقُّ على طلبة العلم قراءتُها وجردُها.
وافعل هكذا في كلٍّ كتابٍ تقرؤه.
واعلم أنّ القراءة المجردة لا تُفيد إلا بنسبةٍ قليلة جدًّا, ما لم يصحبها عملٌ وجهد, كالتلخيص والعمل بالعلم والتعليم ونحو ذلك.
وإليك ما خلصت إليه نتائج الأبحاث المعاصرة حتى من غير المسلمين, حيث قرَّروا هذا الهرم:
فنُلاحظ أنّ التعلم غيرِ النشط لا يعتمد على عمل, بل هو قراءة أو استماع أو رؤية, ونسبة حصول العلم منه ضئيلةٌ جدًّا.
أما التعلم النشط الذي يعتمد على العمل مثل: التحدث وهو يشمل المناقشة والحوار, والكتابة, وهو يشمل التلخيص والتأليف: فنسبة حصول العلم منه كبيرةٌ.
وتزداد النسبة إذا قارنها عملٌ وتطبيق, وهو المسمّى بالمهارات.
وتعظم النسبة إذا قام بنقل ما تعلمه إلى الآخرين, ويشمل شرح المتون, وإلقاء الخطب والمحاضرات والكلمات ونحوها.
فهذا يُؤكد أنّ القراءة العادية غير نافعةٍ نفعاً كبيرًا, فينبغي على العاقل أنْ يبحث عن القراءة النافعة الْمُثمرة.
وبعض طلاب العلم حينما يُسأل عن مسألة يستحضر أنَّ ابن القيم أو شيخ الإسلام أو غيرهما قد ذكر هذه المسألة, وإن كانت قراءته للكتاب من عهد قريب أجاب بأنه رجح كذا وكذا!, دون استحضار للأدلة والبراهين, وهذا بسبب قراءة السرد, أو تسجيل الفوائد بشكل مختصر.
وقد قُمتُ بِتجرِبةٍ لمعرفة مُعدل القراءة اليومية والشهرية والسنوية:
- في كل (10) دقائق: قراءة ما يُقارب (5) صفحات.
- في كل ساعة: قراءة ما يُقارب (30) صفحة.
- في كل أسبوع - إذا كان معدل القراءة ساعة فقط-: قراءة ما يُقارب (210)صفحة.
- في كل شهر: قراءة ما يُقارب (840) صفحة.
- في كل سنة: قراءة ما يُقارب (10800) صفحة, هي عددُ صفحات كتاب فتح الباري تقريباً!!.
هذا على أقل تقدير, وبعض الكتب قد يستغرق قراءتها في (10) دقائق: (6 أو 7) صفحات, وكلما اتَّسع وقت قراءتك ازْداد مُعدل قراءتك.
لو حذفنا شهراً كاملاً وهو عبارة عن أوقاتٍ نقتطعُها من القراءة للتأمل في معلومةٍ مرت بنا, أو التعليق عليها, أو بحثها بشكلٍ سريع, لكانت النتيجة: (10) آلاف صفحةٍ تقريباً.
وطالب العلم المبتدئُ في القراءة الجادة المنهجية, أرى أن أولَ ما يبتدأ به من الفنون: السلوكُ والأدب, وشيءٌ من النحو وقواعد الإملاء.
فكتب السلوك التي تعتني بالقلب وتصحيحه, وتخليصه من الشوائب, هي الأساس والأصل, ولن يُوفق طالب العلم قبل تصحيح نيته, وإصلاح قلبه.
وكُتب الأدب لما فيها من الخفة والسهولة: تُمرن طالب العلم على القراءة, وتكسر حاجز الصعوبة, وإذا تمرن على القراءة - وهو الأهم في هذه المرحلة- سهل عليه قراءة كتب العقيدة والتفسير وشروح الأحاديث ونحوها.
ومن فوائدها أيضاً: أنها تُثري ملكة الكتابة والخطابة والتأليف, فمن اعتاد عليها بدايةً سهلتْ عليه إلقاء الكلمات بأسلوبٍ أدبي شيِّق, وسهل عليه إعداد الخطب والمقالات, والبعض يستهين بهذا الأمر في البداية, فحينما تمضي به السنون يجد صعوبةً في ذلك.
قال الأديب العلامةُ مُصطفى الرافعي رحمه الله[182]: "ما أرى أحدًا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكمًا نافذًا بالأشغال الشاقة الأدبية، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية، فاحكم على نفسك بالأشغال الشاقة سنتين أو ثلاثًا في سجن الجاحظ أو أدب أبي العلاء المعرى أو غيرهما". ا.ه
وأما كتب النحو وقواعد الإملاء السهلة الخالية من التعقيد: فهي من أهم الأمور في البداية, حتى لا يقرأ قراءةً خاطئةً لا تليق بطالب العلم, ولا يكتب كتابةً سقيمةً تُزري به, ولأنه إذا بدأ بها فإنه ستتكون عنده مَلَكةٌ عظيمة بعد ذلك, حيث إنه كلما قرأ أو كتب اسْتحضر قواعد الإعراب والإملاء فتُصبح عنده ملكةٌ كبيرةٌ مع مرور الزمن.
أما إذا أخرها فإنه سيقرأ ويكتب خطأً, ومع مرور الأيام ستكون عادةً عنده, وسيصعب عليه تعديلُها ولو حاول, وأعرف من قرأها ودرسها على متخصصين بعد سنوات الطلب, وقَرَأَ شرحَ الألفيَّةِ وتفاصيلَها, وغيرَها من المتون, فلم يُفلحْ في التخلُّصِ من الأخطاء الإملائيَّةِ والنحوية, وتَعُدُّ عليه إذا تكلم أخطاءً كثيرةً فاحشة, وإذا كتب في تغريدةٍ ونحوها يُخطئ كثيراً!.
وقد كان من رأي ابن العربي المالكيّ رحمه الله تعالى, ألا يخلط الطالب في التعليم بين علمين، وأنْ يُقدِّم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن.
ويرى الشاطبيّ رحمه الله تعالى أنْ الأولى للطالب أنْ يبدأ بالعربية, كما نصّ على ذلك في كتابه الموافقات.[183]
ومما جرَّبْتُه مع طلابي وأثمرت ثمارًا مُباركة, أني وضعت لهم خطة زمنية مقدارها خمسة أشهرٍ, ألتقي بهم كل أسبوع أو أسبوعين, أشرح ما يحتاج إلى شرح, وأسألهم وأختبرهم عن الكتب التي قررتها لهم.
وإليك- أخي طالب العلم الجادّ- منهجيّةٌ مُقترحةٌ خلال خمسةِ أشهرٍ, حاول أنْ تُطبّقها بصبرٍ ومُصابرةٍ, وستجد - بحول الله تعالى- نتيجةً تسرّك:
الشهر الأول: / / إلى / /
الأسبوع الأول: كتاب الفوائد لابن القيم.
الأسبوع الثاني: تهذيب كتاب مدارج السالكين لابن القيم.
الأسبوع الثالث: الإملاء.
الأسبوع الرابع: مَتْنُ الآجرومية وشرحُه.
الشهر الثاني: / / إلى / /
الأسبوع الخامس: إكمال مَتْنِ الآجرومية وشرحُه.
الأسبوع السادس: العروض.
الأسبوع السابع: ديوان الشافعي.
الأسبوع الثامن: روضة العقلاء لابن حبان رحمه الله.
الشهر الثالث: / / إلى / /
الأسبوع التاسع: إعداد مقالاتٍ, (وهي عبارة عن مُمارسة ما قرأه تطبيقيًّا -نحويًا ولغويًا وإملائيًّا وأدبيًا-, وهي من أعظم الفوائد في هذه المنهجيّة).
الأسبوع العاشر والحادي عشر: عيون الأخبار لابن قتيبة رحمه الله.
الأسبوع الثاني عشر: صيد الخاطر لابن الجوزي رحمه الله.
الشهر الرابع: / / إلى / /
الأسبوع الثالث عشر: إكمال صيد الخاطر.
الأسبوع الرابع عشر: الجواب الكافي.
الأسبوع الخامس عشر: إعداد خُطب كاملة.
ثم ابدأ بعدها بالمرحلة الثانية.
ومن الثمرات التي سيجنيها طالبُ العلم بعد قراءته لهذه الكتب غير ما تقدم:
1- حب القراءة محبَّةً عظيمةً, حتى يستغرق جل وقته في القراءة دون مللٍ وكلل.
2- المرانُ والاعتيادُ على المنهجية المنضبطة في القراءة.
3- الثقة والراحة النفسية من تأنيب الضمير من طول المدة في طلب العلم دون تحصيلٍ كبيرٍ.
4- القدرة على التأليف, وكتابة المقالات والخطب بسرعة ومرونة, وليس معنى ذلك أنْ يكون قادرًا في البداية, ولكنّ هذه المرحلة تُعطية الآلية والقدرة على ذلك بعد تمكُّنِه من العلم.
5- القدرة على الإلقاء دون تحضير مُسْبَقٍ, بأسلوبٍ جميل.
وهذه الكتب لا تستغرق خمسة أشهر بالكثير, بشرط أنْ يلتزم الطالب بالوقت التزاماً دقيقاً, ويكون شديد التركيز والتدبر, ويقرأ المقرر عليه: 30 صفحة يوميًّا, ولو وضع ربع ساعة للاحتياط فهو أحسن.
ثم إذا تجاوزها الطالب بإتقان ينتقل لفنٍّ آخر بعد ذلك - على ما قرَّره الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى.
وهي كافيةٌ -إذا اسْتُغلِّتْ بشكلٍ صحيح- في ترسيخ طالب العلم, ولكن المشكلة في العوائق, ومن أبرزها:
1- عدم الجدية والمنهجية المنضبطة.
2- عدم الصبر والْمُصابرة.
3- اسْتِعْجالُ النتائج.
4- تشتت الفكر والعمل, فكثرةُ الأشغال, وكثرة البرامج تصدّ وتحرم من الاستفادة الكبيرة.
ومن أعظم ما يُضر بطالب العلم: كثرة الرحلات والجَلسات, فلن يعطيك العلمُ من نفائسه ودُرَرِه إذا لم تُعْطِه نفسَك وعقلَك ووقتَك, وكثيرًا من مالك.
5- عدمُ الاسْتعداد للبذل والتضحية.
ثالثًا: المنهجيّةُ الصحيحةُ في العنايةِ بالخطة والوقت وتحديد الهدف:
1- لا بد من تحديد الهدف تحديدًا دقيقًا, ولا يكون ذلك إلا بوضوح الخطة, والتقيد بالزمن في السير عليها, والتأكد منها ما بين الفينة والأخرى.
إنّ أي إنسان يريد النجاح في الدين أو الدنيا: لابدّ له من ثلاثة أمور:
الأول: أنْ يضع له هدفًا يسعى إليه.