قال شيخ الإسلام رحمه الله: فمن شَهِدَ له عُمُومُ المؤمنين بالخيرِ كان مِن أهل الخير، ومَن شُهِدَ له بالشَّرِّ كان من أهل الشَّرِّ. ا.ه[135]
فإذا رأى طالبُ العلم أحدَ العلماء والمصلحين وقع في زلَّةٍ وهو ممَّن له سابق فضلٍ وخير, فالواجب أنْ يَكفّ لسَانَه عن الوقوع في عرضه, مع بيَان الخطأ الذي وقع به بأسلوبٍ لطيف.
ومِن أعظم سمات أهل السنة والجماعة: الأخذُ بحسن الظن, وعدمُ تتبع الزلات, والْتماسُ الأعذار لمن ظاهره الصلاح, وسترُ العيوب لا فضحُها.
ومن سمات المبتَدِعَة وأهلِ الأهواء: القدحُ في كلِّ من يُخالفهم, ولو كان مما يسوغُ أو يُعذَرُ الاجتهاد فيه, وتتبعُ الزلات والعثرات, والقدحُ في النيات.
وقد أجمع علماءُ الأمة سلفُهَا وخلَفُها, على أنَّ مَن عُرف عنه الخيرُ والصلاح, لا يجوز القدحُ فيه إلا بدليلٍ وبرهانٍ قاطعٍ, فإنْ ثبت بالدليل خطؤه وزللُهُ, في أمرٍ يسوغُ أو يُعذَرُ الاجتهاد فيه, فلا يجوز أيضاً سبُّه والطعنُ فيه, بل يجب أنْ يُردَّ خطؤه ولا يُقدَحُ في شخصه.
قال سعيد بن المسيب رحمه الله: " ليس من عالمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيْب، ولكنْ مَن كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذَهب نقصُه لفضله، كمَا أنَّه مَن غلب عليه نقصانُه ذَهب فضلُه.[136]
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: " وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف, قد قالوا وفعلوا ما هو بدعةٌ ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديثَ ضعيفةٍ ظنوها صحيحة، وإما لآياتٍ فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأيٍ رأوه وفي المسألة نصوصٌ لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)) ". ا.ه [137]
وقال الإمام الذهبي رحمه الله: " إنَّ الكبيرَ من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابُه، وعُلم تحرِّيه للحق، يُغفرُ له زلَلُه، ولا نُضَلِّلُه ونَطْرَحُه، ونَنْسَى محاسنه، نعم! ولا نَقْتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبةَ من ذلك ".[138] ا.ه
والعاقل - فضلاً عن طالب العلم- يتجنب أيَّ قولٍ قد يُحاسَبُ عليه يوم القيامة, ويخشى أنْ يكون مِمَّنْ قَالَ فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». متفق عليه[139]
كلمةٌ واحدةٌ تَهْوِي بِه فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ! فكيف بعشرات الكلمات؟ وكيف بالطعن والدخول في نيات أهل العلمِ والمشايخ؟.
قد يتساءل بعض طلاب العلم فيقول: إذا رأيتُ المشايخ اختلفوا في تجريح وتعديل شخصٍ فما موقفي؟
الجواب عن هذا: أنْ تسكت وتحفظ لسانك, وكلام الأقران بينهم ليس بحجة, وكذلك اختلافهم في تعديل وتجريح أحدٍ, ليس أحدُهم حجةً على الآخر.
قال الذهبي رحمه الله: العدلُ أنَّ من رآه المسلمون صالحاً محسناً فهو كذلك؛ لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجراً أو منافقاً أو مُبطلاً فهو كذلك، وأنَّ من كان طائفةٌ من الأُمة تُضَلِّلُه، وطائفةٌ من الأُمة تُثني عليه وتبجِّلُه، وطائفة ثالثة تقفُ فيه وتتورَّع من الحطِّ عليه، فهو ممَّن ينبغي أن يعرَض عنه، وأن يُفَوَّضَ أمرُه إلى الله، وأن يستغفَرَ له في الجملة، لأن إسلامَهُ أصليٌّ بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريحُ ويصفو قلبُك من الغِلِّ للمؤمنين.
ثم اعلم أنَّ أهل القبلة كلَّهم، مؤمنَهم وفاسقَهم وسُنِّيَّهُم ومبتدِعَهُم- سوى الصحابة- لم يجمعوا على مسلم بأنَّه سعيد ناجٍ، ولم يُجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصِّديق فرد الأمَّة، قد علمتَ تفرُّقهم فيه وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك عليّ، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المَرِيسيّ، وكذلك أحمدُ بن حنبل والشافعيّ، والبُخاريّ، والنِّسائيّ، وهلمَّ جراً من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمامٍ كامل في الخير إلا وثمَّ أناسٌ من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمُّونه ويحطُّون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرَّفضِ إلا وله أناس ينتصرون له، ويَذُبُّون عنه، ويَدينون بقوله بهوىً وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل المتصفين بالورع والعلم. ا.ه[140]
واحذر كثرة النقد للآخرين وخاصَّةً أهلَ العلم والدعاة والمصلحين, فإنّ في النقد شهوةً عجيبة, ولذةً مُغرية, فإذا سَمَحْتَ لنفسك النقد دائمًا قويت فيك هذه الشهوة, فأصبحت كثيرَ النقد, بذيءَ اللسان, لا يسلم منك إنسان, فلا تكاد ترى أمرًا لا يروق لك, أو لا يُوافق هواك ورأيك, إلا سارعت في نقده والتقليل من شأنه! وهذا والله مُلاحظٌ وموجودٌ عند بعض طلاب العلم, وحينها ينطبق عليك قول عون بن عبد الله رحمه الله: ما أحسب أحدًا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلةٍ غفلها عن نفسه.
وقول الفضيل بن عياض رحمه الله: لِيَكن شغلك في نفسك, ولا يكن شغلك في غيرك, فمن كان شغله في غيره فقد مُكر به.
وطالبُ العلم من أعظم مسؤوليَّاتِه: جمعُ الكلمة, ووِحْدةُ الصفّ, فإذا خاض في تجريح رُموز العلم والخير, فقد أسهم في الفرقة بين المسلمين, وزرعِ الغلّ والحقد بينهم.
والقدح في العلماء والدعاة, وتتبع زلاَّتهم من أعظم أسباب محق البركة.
قال الإمام الموفق ابن قدامة المقدسي عن أحدِ الْمُبَرِّزين في زامانِه : كنت أتخيل فِي الناصح أَن يَكُون إمامًا بارعًا، وأفرح بِهِ للمذهب؛ لما فضله اللَّه به من شردْ بيته، وإعراق نسبه فِي الإِمامة، وَمَا آتاه اللَّه تَعَالَى من بسط اللسان، وجراءة الجنان، وحدة الخاطر، وسرعة الجواب، وكثر الصواب. وظننت أَنَّهُ يَكُون فِي الفتوى مبرزا عَلَى أَبِيهِ وغيره، إِلَى أَن رأيت لَهُ فتاوى غيره فِيهَا أسد جوابا، وأكثر صوابا. وظننت أَنَّهُ ابتلي بِذَلِكَ لمحبته تخطئة النَّاس، واتباعه عيوبهم. ولا يبعد أَن يعاقب اللَّه العبد بجنس ذنبه - إِلَى أَن قَالَ: والناصح قَدْ شغل كثيرا من زمانه بالرد عَلَى النَّاس فِي تصانيفهم وكشف مَا استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم. ولا يبلغ العبد حقيقة الإِيمان حَتَّى يحب للناس ما يحب لنفسه، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه. وكما لا يحب ذَلِكَ لنفسه ينبغي أَن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، وَالْعُلَمَاء المبرزين. وَقَدْ أرانا اللَّه تَعَالَى آية فِي ذهابه عَنِ الصواب فِي أشياء تظهر لمن هُوَ دونه. ا.ه[141]
ويجب عليك - يا طالب العلم- ألا تُقحمَ نفسك فيما لا تُتْقِنُه, كالفتوى, وأمورِ السياسة.
وبعضُ طلابِ العلم يتكلفُ الفتوى والإجابةَ حينما يُسأل؛ لئلا يُظنَّ به أنه ليس بعالمٍ أو عارف.
وقد كان كبار العلماء من الصحابة والتابعين, لا يتكلفون علم ما لم يعلموا, بل ينطقون بلا أعلمُ بكلِّ سهولة, ودون أدنى حرج.
فهذا ابن عمرَ رضي الله عنه سُئل عن شيءٍ فقال: لا عِلْمَ لي به. فلما أدبر الرجل قال لنفسه: سُئل ابن عمرَ عما لا علم له به فقال: لا علم لي به.
وهذا القاسم بن محمد رحمه الله يُسأل فيقول: لا أدري, لا أعلم, فلما أكثروا عليه قال: والله ما نعلم كلَّ ما تَسألون عنه, ولو علمنا ما كتمناكم, ولا حَلَّ لنا أنْ نكتمكم.
وسأل رجلٌ مالكَ بنَ أنسٍ رحمه الله عن مسألة فقال: لا أُحسِنها, فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لِأَسألك عنها، فقال له: فإذا رجعتَ إلى مكانِك وموضِعِك فأخبرْهم أني قلتُ لك: لا أحسِنها.[142]
وقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه -فيما يُروى عنه-: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُ, وهي حكمةٌ عظيمة, وعبارةٌ بليغة, حتى قال عنها الأديبُ الجاحظُ في كتابه البيانِ والتبيين[143]- الذي جمع فيه الحكمَ والبلاغةَ والفصاحة, من العصر الجاهليّ إلى العصر الإسلاميّ-: "لو لم نَقِفْ من هذا الكتاب, إلاَّ على هذه الكلمة, لوجدناها شافية كافية ، ومجْزِيةً مُغْنِيةً, بل لَوَجدناها فاضلةً عن الكِفاية، غيرَ مقصِّرةٍ عن الغاية".
وقال عنها الحافظ ابنُ عبد البر رحمه الله: هي مِنَ الكلام العجيبِ الخطير، وقد طار الناسُ إليها كلَّ مطير.[144]
وهذه الحكمةُ البليغةُ تعني: أنَّ قيمةَ المرء ومنزلتَه بأمرين هامَّيْن, بهما تستقيم حياةُ الفرد والمجتمع, وتسموا بهما الأمَّةُ نحو النجاح والفلاح في حاضر دنْياهم وأُخراهم:
الأمر الأول: أنْ يعمَل بجدٍّ وإخلاص فيما يُحسنه ويُتْقنه من عِلْمٍ وعَملٍ.
الأمر الثاني: ألا يخوضَ ويَعمل ويتكلَّم بغير ما يُحسنه ويُتْقنه.
فقيمةُ ومكانةُ كلِّ واحد فيما يُجيدُه ويُتْقنه من عِلْمٍ وعَملٍ, فإذا أخلَّ بما يُحْسنه ويُجيْدُه أو عمل بغير ما يُحسنه ويُتْقنه, وخاض بغير تخصُّصه ومجاله: ذهبت قيمته ومكانته, وسقط من أعيُن الناس, وصار مُعَرَّضاً لطعنهم واتِّهامِهم له, وأفْسَدَ فساداً عظيماً.
فقيمتك في الحياة الذي تحسنه، وميزانك في الحياة الذي تجيده، فاحْذرْ أشدَّ الحذر أنْ تخوضَ في شيء لا تُحْسنه ولا تجيدُه, فتسْقُط قيمتُك وثقتُك أمام الناس, وأعظمُ من ذلك أنْ تسقط قيمتك عند الله تعالى, إذا كان خوضُك في أمور الدين والشرع.
فقيمةُ العالمِ وطالبِ العلمِ: عِلْمُهُ الذي يُحْسنه, ولو خاض بغيرِ ما يُحسنه لأفسد وكرهه الناس.
واعلم أن من أعظم أسباب الجرأةِ على القدح في الآخرين من العلماء والدعاة والعاملين وغيرهم وغيبتهم ونقدهم:
1- الدخولُ في التقنية الحديثة دون ضوابط وأهدافٍ مُحدّدةٍ واضحةٍ.
فتجد كثيرًا من طلاب العلم يستعمل وسائل التواصل الاجتماعي بكثرةٍ, ويضيف المتابعين في تويتر, ويُنشئ المجموعات الكثيرة في جواله, ويردّ على هذا, ويُناقش الآخر, ويتربص أخطاء فلان, ويُعقّب على فلان! فيضيع عمره, وينقضي وقتُه فيما لا ينفعه في دينه ودنياه, بل ما أقربه من الإثم والزلل.
2- متابعة الأخبار بكثرة, ولو كنت ترى أنك تُتابعها لتعيش هموم المسلمين, فبحسب التجربة, بل وتجربة الكثير من طلاب العلم وغيرهم: أنها مضيعةٌ للأوقات, مُهدرةٌ للطاقات, مُجددة للأحزان, مُشتةٌ للذهن, مُكدّرة للخاطر.
والمتابع لها يصعب عليه أن يتحكم بلسانه وعاطفته, فربنا جرى لسانه بكلام يندم عليه, وربما فاضت مشاعره بكلام لا يليق به, وذلك بسب أنه رأى خبرًا أرّقه, وعجز عن احتمال السكوت, فبادر بالكلام قبل التاكد والتريث والتعقل.
ولا ينبغي للعاقل أنْ يُصغي لأي محلل سياسي, أو مذيع أو إخباريّ, فكثير من هؤلاء لهم مآرب وأهواء, يدسونها من خلال تحليلهم ونقلهم للأخبار.
بل يجب الرجوع في كلّ صغيرة وكبيرة إلى أهل الاختصاص والمعرفة والعقل, وفي مقدمة هؤلاء: العلماءُ الربانيون العارفون بالواقع.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
فالرجوع إلى الأكابر من أهل العلم في زمن الفتن هو الحل السليم.
وكثير من طلاب العلم لم يعشِ الأحداث ولم يُشاهدْها بنفسه, إنما سمعها من القنوات والأخبار, التي لا يشك عاقل بأنها تسير وِفْقَ سياساتٍ مُحدّدة, وأهواءٍ مختلفة, فالحيادُ فيها أندر من النادر.
ولقد ازددت قناعة ويقينًا مع تقدّم العمر، وكثرة الاطلاع في الكتب والواقع المعاصر أنّ من أعظم علامات رجاحة العقل، وقوة الدين، وكثرة العلم، ومن أهمّ أسباب السعادة والراحة وقلّة المشكلات والخلافات والصراعات: كفَّ اللسان إلا فيما تتحقّق مصلحته الخاصة والعامة.
فيا طالب العلم: تعلّم حبسَ لسانك فيما لا ينفع، ولا تُبد رأيك في كلّ أمر، ولا تتسرع بالردّ.
وندمك على الكلام أكثر وأعظم وأشد من ندمك على السكوت.
***
السابع
بعد أنْ أنهينا الخطوات الستّةِ السابقة, وهي أهمّ شيءٍ على طالب العلم, فمَن طَلَبَ العلم على اعْوجاجٍ سيظلّ مُعوجًّا, حتى يأتي اليوم الذي ينكسر - والعياذ بالله- إما في الدنيا وإما في الآخرة.
وإنه لا يكاد يُعْرَفُ أحدٌ وُفِّق للعلم, والتمكن منه, ونفع الأمة, وهو لم يَعتنِ بتصحيح قلبه وأخلاقه وسلوكه.