تبليغ هذا العلم من أوجب الواجبات, فزكاة العلم نشرُه وتبليغُه للناس, وهو سببُ نمائه وبركته, قال الفضيل رحمه الله: لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة, وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس, وسلامة الصدور, والنصح للأمة.
وقال ابن علية في قول أبي بكر المزني رحمهما الله: ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة , ولكن بشيء كان في قلبه , قال : الذي كان في قلبه الحبّ لله عزّ وجلّ والنصيحة في خلقه.
وقال سعيد بن جُبير رحمه الله: لأَنْ أَنشرَ علمي أحبُّ إليَّ من أن أذهب به إلى قبري.
وعن الزهري رحمه الله قال: العلم يقبض قبضاً سريعاً, فنشر العلم ثبات الدين والدنيا, وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله.
وقال أيضًا رحمه الله: إياك وغلول الكتب, قلت: وما غلولها؟ قال: حبسها عن أهلها.
قال أبو حاتمٍ رحمه الله: العاقل لا يسعى في فنونه- أي العلم- إلا بما أجدى عَلَيْهِ نفعًا في الدارين معًا, وإذا رُزق منه الحظ لا يبخل بالإفادة؛ لأن أول بركة العلم الإفادة, وما رأيت أحدًا قط بخل بالعلم إلا لم يُنتفع بعلمه, وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض مَا لم ينبع, ولا بالذهب الأحمر مَا لم يُستخرج من معدنه, ولا باللؤلؤ النفيس مَا لم يُخرج من بحره, كذلك لا يُنْتَفَعُ بالعلم مَا دام مكنونا لا ينشر ولا يفاد. ا.ه[108]
وقد أخبرني أحدُ الملازمين لكبار العلماء لسنواتٍ طويلة, ولم أره مُتمكِّنًا ولا مُؤصَّلاً, أنَّ مِن زملائه فلانًا وفلانًا- وهم من كبار الدعاة والمشايخ المعروفين- فقلت: ما السبب في عدمِ تقدُّمك وبروزك مثلهم؟ فقال بلهجةٍ فيها حسرةٌ وأسى: لأنهم قاموا بتزكية عِلْمِهم, وأنا لم أفعل!!.
ولا تظن أن الجهاد في سبيل الله وما جاء فيه من الفضائل العظيمة محصورٌ في ميادين المعارك والحروب، بل يشمل كما قال ابن تيمية رحمه الله: "كل من قصد أن تكون كلمة الله هي العليا، من آمر بمعروف وناهٍ عن منكر"[109]، عبر مواقع التواصل، أو خطب الجمعة، أو كتاب، أو رسالة، أو نصيحة مباشرة.
فكن من المجاهدين ولا تكن مع القاعدين، ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾.
ومن طرق نشر العلم لطالب العلم المبتدئ:
1- نشره في مجالس الأسرة أو الأصدقاء إذا سنحت الفرصة.
2- نشره في المساجد الصغيرة التي يقلّ المصلون فيها بإلقاء الكلمات, والبعدُ عن المساجد الكبيرة لئلَّا يُصاب الملقي بالغرور ونحو ذلك, ولئلا يغلط ويلحن فيَسقط من أعين الناس, أو يُصابَ بالإرهاب الاجتماعيّ لا قدّر الله.
3- نشره في البيت وعند الأهل والأقارب.
4- نشره عن طريق النصيحة للمقصر والعاصي.
ولنشر العلم ونقلِه للآخرين فوائد كثيرةٌ منها:
1- أنه سببٌ لثبات ورسوخ العلم, وهذا مُجرّب, فالذي ينشر علمه بالقلم أو باللسان يثبت ما تعلمه.
2- أنه يفتح له ذلك علمًا لم يكن يعملُه, فالذي يُؤلف أو يُلْقي تتزاحم عليه الخواطر والأفكار, ويُفتح عليه من العلم ما لم يخطر على بالِه.
وكثيرًا ما يضطر إلى البحث عن استنباط أو مسألةٍ أو خاطرةٍ قرّرها أو سيقررها, فمن خلال بحثه سيقف على غيرها من المسائل والفوائد الكثيرة المفيدة, ومع مرور الأيام يزداد نضوجًا وروسخًا, وبهذا رسخ من قبله بفضل الله.
3- أنه من أعظم أسباب انشراح الصدر, والرضى عن النفس, فطالب العلم الذي يُمضي وقته قراءةً وحضورًا للدروس, يشعر بتأنيب الضمير, وأنَّ ما تعلمه لم يعد عليه ولا على غيره بالفائدة والمنفعة.
فإذا بدأ يزكّي علمه وينشره سيشعرُ بانشراح الصدر, وراحة البال, وسيزداد انشراحًا حينما يرى الْتفاف الناس عليه, والاستفادة من علمِه.
4- أنه سببٌ لرفع الهمّة, وزيادة النشاط, فالذي يرى ثمار عمله وجهده لا شك أنه سيزداد نشاطًا وحماسًا.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله قاعدة تكتب بماء الذهب، والعمل بها من أعظم أسباب نشر الخير، وتقليل الشر، وصفاء القلوب، وذهاب الأحقاد، قال رحمه الله: "كلُّ من التمس المعاونةَ على محبوب لله مرضيٍّ له أُجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوبِ مبغوضٌ لله أعظم منه.
وهذا من أدقِّ المواضع وأصعبها وأشقّها على النفوس". ا.ه[110]
فإذا طلب منك أحدٌ فعلَ الخير – وخاصة فيما فيه نفعٌ للإسلام والمسلمين – فلا تمتنع، ولو كنتَ تُبْغضه، وامْتناعك من فعل ونشر الخير على يديه يدلّ على مرض قلبك، وانتصارك لنفسك، وتقديمِ حظوظ نفسك على ما يحبّه الله ويرضاه من نشر دينه، وتبليغ رسالاته، ونفع عباده.
وهو أمرٌ شاقّ على النفس، ثقيلٌ على القلب، إلا إذا كانت النفس طاهرةً صافية، وكان القلب سليمًا نقيًّا من الغل والحقد والانتصار للنفس.
فهو كما قال ابن القيم: "من أصعبها وأشقّها على النفوس".
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية: "وَالَّذِي نفسي بيده، لا يسألونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ اللَّه إلَّا أعْطيتُهمْ إيَّاها".
قال ابن القيم رحمه الله في استنباط الفوائد من صلح الحديبية: "ومنها: أن المشركين وأهلَ البدع والفجورِ والبغاةَ والظلمةَ إذا طَلَبوا أمرًا يُعظِّمون فيه حرمةً من حرمات الله أُجيبوا إليه وأُعطوه وأُعينوا عليه وإن مُنِعوا غيرَه، فيعاوَنُون على ما فيه تعظيمُ حرماتِ الله لا على كفرهم وبغيهم، ويُمنَعون مما سوى ذلك". ا.ه[111]
لكن هناك حالة واحدة يجب عليك أن تمتنع من قبول طلبه، وهي إذا ترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، كمن يكون من أهل البدع والأهواء، ويطلب منك نشر الخير عبر مواقع التواصل التي تُشرف عليها، أو أن يتولّى منصبًا دينيًّا – كالإمامة والخطابة - وإذا تمكّن واشتهر بين الناس نشر ما كان يُبْطنه من الشر والبدع والباطل.
وهذا يحتاج إلى تجرّد وصدق مع الله، وبراءة من حظوظ النفس الأمارة بالسوء، ويحتاج إلى دقّة وتحرٍّ كما قال ابن القيم: "وهو من أدقِّ المواضع".
وكم من إنسان منع غيره من عمل الخير والبرّ لأجل هواه وحظوظ نفسه، فويل له إذا وقف بين يدي الله، كيف سيلقى الله وقد منع مسلمًا ظاهره الصلاح من نشر العلم والخير؟
وبماذا سيجيب الله إذا سأله: لم منعت فلانًا من تبليغ ديني، ونفع عبادي؟
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، إنك سميع قريب مجيب.
وقد يقول قائل: هل الأولى الانشغال بالدعوةِ أو بحلقات تحفيظ القرآن تعليمًا وإدارة, أم الانشغال بطلب العلم؟
الجواب: الأَوْلَى الجمع بينهما, ولا تعارض في الغالب.
فإن حصل ازدحام وتعارض, وأُجبر طالبُ العلم على تحمّل مسؤوليّات في الدعوةِ أو الحلقات كالإدارة ونحوها, فهو إمَّا أن يستمر فيها, وإمَّا أنْ يعتزلها ويتفرغ لطلب العلم, فمثل هذا له حالتان:
الحالة الأول: إذا كان قليل الاهتمام والميول لطلب العلم, ولا يجد النشاط لذلك, بل يجد النشاط للدعوةِ أو للتحفيظ والحلقات أكبر وأعظم, أو كان قليل الفهم ضعيف الحفظ, فالأولى له الانصراف إلى حلقات القرآن والدعوةِ, والقيام بحقّها.
الحالة الثانية: إذا كان شديد الاهتمام والميول لطلب العلم, ويجد النشاط لذلك, أو كان شديد الفهم قويّ الحفظ فالأولى ولا شك تقديم طلب العلم.
وقد ندم الكثيرُ من الدعاةِ وأصحاب الحلقات بعد كِبرهم على عدم تفرغهم لطلب العلم, وصرّحوا بذلك -وهم على خيرٍ إن شاء الله تعالى, وجزاهم الله خيرًا على ما قدّموا للأمة من نصحٍ واعتناءٍ بالشباب والشابات, بل وللكبار والأسر-.
وذلك أنّ طالب العلم يتقدَّم ويعلو وينمو كلَّ يوم, ويزداد علمًا وهمّةً, وذكاءً وفطنةً وحنكةً, بخلاف غيره - مهما كان عملُه ونفعُه-, سيظل على ما هو عليه, لن يزداد علمُه, ولن تتوسع مداركه.
ولا شكّ أنّ طالب العلم الموفق يتميّز بميزاتٍ قلّ أنْ يُشاركه فيها أحد:
صاحب العلم يُلقي الكلمات والدروس والمحاضراتِ النافعة المفيدة متى شاء.
صاحب العلم كلما طال عمرُه عظم نفعُه وبذلُه.
صاحب العلم يستطيع تأليف الكتب وإلقاء الخطب وشرح المتون.
فمن رُزق فهمًا وحفظًا وذكاءً لا ينبغي له أنْ يَقْتُلَ مَواهِبَه وقدراتِه هذه, بل يجب أنْ يغتنمها وسوف يُهيِّئُ الله تعالى من يقومُ بعملِه, ولا تثريب عليه, فقد انتقل من مفضولٍ إلى فاضل بالنسبة له؛ لأنه يملك مُقوِّماتِ طالب العلم وأداواتِه.
وإن لم يُبادر فإنه سيخسر قدراتِه وهمتَه وطموحاتِه مع مرور الأيام.
فلا تُقدِّم - أيها الموفق- على طلب العلم شيئًا, وإذا تعارضت المصالح فابدأ بالمصلحة الراجحة, وتذكر قول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لَأَنْ أنفع نفسي وحدي خيرٌ لي مِن أنْ أنفع غيري وأتضرر!! ا.ه[112]
وقد يقول قائل: كيف تُفضِّل العلم على العمل, وما العلم إلا لأجل العمل؟
والجواب: أليس طلب العلم بنيّة حفظ الشريعة والردّ على أهل البدع من أعظم العمل؟
أليس طلب العلم لأجل البصيرة والعمل به ونشره من أعظم العمل؟
قال ابن الجوزيّ رحمه الله: ومن تأمل هذه الأشياء، علم أن فقيهًا واحدًا -وإن قل أتْبَاعُه، وخَفَت إذا مات أشياعه- أفضل من ألوف تتمسح العوام بهم تبرُّكًا! ويشيع جنائزهم ما لا يحصى.
وهل الناس إلا صاحب أثر يتبعه، أو فقيه يفهم مراد الشرع، ويفتي به؟!
ولقد رأينا وسمعنا من العوام أنهم يمدحون الشخص، فيقولون: لا ينام الليل، ولا يفطر النهار، ولا يعرف زوجة، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئًا، قد نحل جسمه، ودق عظمه، حتى إنه يصلي قاعدًا، فهو خيرٌ من العلماء الذين يأكلون ويتمتعون!
ذلك مبلغهم من العلم.
ولو فقهوا علموا أن الدنيا لو اجتمعت في لقمته فتناولها عالم يفتي عن الله، ويخبر بشريعته، كانت فتوى واحدة منه يرشد بها إلى الله تعالى خيرًا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد. ا.ه[113]
وقال الإمام البغوي رحمه الله: وفضل العلم على العبادة من حيث إنْ نفع العلم يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه إحياء الدين، وهو تلو النبوة..
قال ابن عباس رضي الله عنه: «تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها».
وفي رواية: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها».
وقال قتادة رحمه الله: بابٌ من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاحِ مَن بعده، أفضل من عبادة حول.
وقال الثوري رحمه الله: ليس عملٌ بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
وعنه أيضا: ما أعلم اليوم شيئا أفضل من طلب العلم.
قيل له: ليس لهم نية؟ قال: طلبهم له نية.
وقال الحسن رحمه الله: من طلب العلم يريد به ما عند الله، كان خيرا له مما طلعت عليه الشمس.
وقال ابن وهب رحمه الله: كنت عند مالك رحمه الله قاعدا أسأله، فرآني أجمع كتبي لأقوم، قال مالك: «أين تريد؟»، قال: قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: «ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صح فيه النية، أو ما أشبه ذلك».
وقال الزهري رحمه الله: ما عُبد الله بمثل الفقه.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: ما أعلم عملا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به. ا.ه[114]
وأنا لا أتحدث عن ذاك الطالب الذي يذهب للدروس العلميّة دون مراجعة وقراءة وهمّةٍ ونشاط, وإنما يحضرها للبركة, أو يُطالع بعض الكتب والكتيبات دون منهجيّةٍ وخطةٍ مدروسة, فهذا ليس بالطالب الذي أعنيه, وأكثر العُبَّادِ والدعاة أفضل وأنفع للأمة منه.
***
الخامس
طالبُ العلم يجب عليه أنْ ينأى بنفسه عن الدخول في أيّ جماعةٍ والتعصبِ لها, بل يبحث عن الحقّ والدليل أينما كان.
قال الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله: ما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب. ا.ه[115]