١١ - وإذا كان الخطيبُ أو المُلقي مُبتدئًا فلا بأس بالاستفادة من
غيره، خاصة المتقنين والمجيدين، فيأخذ من خُطبهم، ثم يضعه في ملف
وورد، وما يراه لا يُناسب الْمُستمعين فَلْيحذفه، ولْيُضف إليه ما يراه
مناسبًا ونافعًا، ومع مرور الأيام يزيد من كلامه وعباراته، حتى يأتي اليوم
الذي يُعد فيه إعدادًا كاملًا من عنده بإذن اللّٰه .
واستغل شبابك ونشاطك في التأليف والكتابة، فهي مهارةٌ تأتي
بكثرة المران والممارسة، فإذا أُهملت صعب تحصيلها، وقد رأينا علماء
كبار لا ينشطون للتأليف ولو بالقليل، ولا يُحسنونه ولا يُجيدونه .
قال ابن الجوزي رَخَاله: ((ينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛
لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال الحواس، وربما خان الفهم
والعقل من قدر عمره؛ وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة؛ لأنه لا
يعلم الغيب)). اه (١) .
نصائح أوجهها لمن وفقه اللّٰه تعالى للخطابة أو الوعظ:
١ - اجعل نُصب عَيْنَيْك عامةَ الناس، فهم الأحق والأولى بخطبك
ومواعظك، ومتى راعيت نُخَبَهُم وخوَّاصهم، ومُحبيك وطلابك : أدّى بك
ذلك إلى عدة محاذير :
الأول: التكلف في اختيار الألفاظ، وتصنع السجع والمواضيع التي
تُناسب مستواهم هم دون الأعمّ الأغلب من العامة ونحوهم .
الثاني: حرمان العامة مِمَّا ينفعهم من المواعظ ومُعالجة القضايا
الاجتماعيّة؛ لأنك انشغلت بما يهم خواصهم، فهم يرغبون الحديث عن
الجديد والغريب، كالسياسة والإغراق في الواقع، ولن ينفعهم ذلك في
دينهم ولا دُنياهم .
(١) صيد الخاطر : ص٢٦٢.
الثالث: فساد النيّة، فبدلًا من أن تكون خالصةً لوجه اللّه، أصبحتْ
مشوبةً بمراءة الخاصة ومُحبيك، والنظر إلى ما يُعجبهم ويُرضيهم .
فحينما ترى إعجابَ الناس بخطبك، وتسابُقَهم إلى حضورِها
والاستماعِ إليها، لا شكّ أنّ ستراعيهم، وتخطب بما يُرضيهم .
وحينها ينزع اللّٰه تعالى منك البركة والقبول، والنفع والفائدة.
والواجبُ عليك أنْ تَخْطُب والعامةُ أهم أهدافك، فهم الذين بأمسّ
الحاجة إلى عملك، وهم الذين لن يسمعوا - غالبًا - إلا منك، أمَّا
طلابُ العلمِ فإنْ لم يستمعوا إليك استمعوا من غيرك .
بل إنّ بعضهم يستمع استماع ناقد ومدّقّق، بخلاف العامة، فهم
يستمعون استماع متلهف مُنقاد، فأيّ الفريقين أحقّ بالاهتمام والعناية؟
ولا يعني اهتمام الخطيب بنفع العامة ألا يتطرق لمسائل مهمة قد
تكون فوق مستوى كثير منهم، والتي يستفيد منها بعض المتخصصين
كطلاب العلم أو المسؤولين ونحوهم.
٢ - احذر من الإعجاب بمدح الناس لك، فإنّ الناس إذا مدحوا
أسرفوا، وأنت أعلم بنفسك!
قال ابن الجوزي كَّاله: والمحنة العظمى مدائح العوام، فكم
غرت !(١) .
٣ - أسْمعهم ما ينفعهم في دينهم أو دنياهم، واسْأَلْ نفسك أثناء
الكتابة: ماذا سيستفيد الناس في دينهم وأخلاقهم إذا خرجوا من
المسجد، أو قرؤوا المقال الذي كتبته؟
ماذا سيستفيد الناس من الكلام في السياسة مثلًا، أو الإكثار من
الحديث عن مآسي المسلمين ومُصابهم؟
(١) صيد الخاطر : ص٦٧.
٤ - احرص على كتب الأدب والبلاغة والشعر، فإنّ الخطيب
أحوج ما يكون إليها، قال ابن الجوزي رَكَّالهُ: (الواعظُ مأمورٌ بألا يتعدى
الصواب، ولا يتعرض لِمَا يُفْسدهم، بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف
وجه، وهذا يحتاج إلى صناعة، فإنَّ مِن العوام من يعجبه حسن اللفظ،
ومنهم من يعجبه الإشارة، ومنهم من ينقاد ببيت من الشعر، وأحوج
الناس إلى البلاغة الواعظ، ليجمع مطالبهم - أي: العوام -).اه(١) .
٥ - احذر من الإطالة في الخطبة، فقد كان النبي اليقه يُقصّرها ،
وكذلك فعل أصحابُه ومنْ جاء بعدهم .
قيل لأياس بن معاويةَ: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام، قال:
فتسمعون صوابًا أم خطأ؟ قالوا : بل صوابًا، قال: فالزيادة من الخير خير!
قال الجاحظ مُسْتدركًا عليه: ((وليس كما قال، للكلام غايةٌ،
ولنشاط السامعين نهاية، وما فَضُل عن مقدار الاحتمال ودعا إلى
الاستثقال والملال فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل وهو الإسهاب
الذي سمعتُ الحكماء يعيبونَه)) . اه (٢) .
وما أجمل قول القائل: ((قليلٌ يُوعى، خيرٌ من كثيرٍ يُنْسى)).
وقصر الخطبة فيه ثلاث فوائد نفيسة :
الأولى : اتباع السُّنَّة .
الثانية: سهولةُ تحضير الخطبة، وحصولُ الراحة النفسية عند
تحضيرها، وأثناء إلْقائِها ، وبعد الفراغ منها .
الثالثة: التخفيف على المستمعين، فيكاد يتفق الناس جميعهم على
الارتياح للذي يقصر خطبته، والنفرة ممن يُطيلها .
(١) صيد الخاطر : ص١٣٨.
(٢) البيان والتبيين: ص٧٠.
٦ - تجنّب الوحشي والغريب من الكلام والسجع، فقد نهى عنه
الشرعُ الحكيم، والأدباءُ والبلغاءُ المعتبرون .
قال إبراهيم بن المهدي لعبد اللّٰه بن صاعد كاتبه: إياك وتتبع
الوحشي من الكلام طمعًا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر،
عليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل (١) .
وقال ابن رشيق: (إذا كانت اللفظة خشنة مستغربة: لا يعلمها إلا
العالم المبرز، والأعرابي القح؛ فتلك وحشية، وكذلك إن وقعت غير
موقعها، وأتى بها مع ما ينافرها، ولا يلائم شكلها)). اه
(٢)
وصدق القائل :
إنْ كان في الْعِيِّ آفاتٌ مُقَدَرَةٌ ففي البلاغة آفاتٌ تُسَاوِيْها
٧ - اجتنب السرد المعتاد للخطبة، بل اهتمّ بمستوى نبرات الصوت
حسب الموضع اللائق به، واعتن بالوقف المناسب.
وبالجملة كن حريصًا على الاستفادة من كتب وأشرطة فنّ الإلقاء
والخطابة .
ومن لم يعتن بذلك سيكون أسلوبُه ضعيفًا، وحديثُه غير جاذبٍ
وغير مُؤثَرٍ - غالبًا -.
٨ - الخوف - لاسيّما في البداية - أمرٌ طبيعيٌّ جدًّا، بل هو إيجابيّ
يُساعد على العناية بالخطبة والتحضير لها .
لكنّ اسْتمرار الخوف في كلّ خطبةٍ ولمدّةٍ طويلةٍ أمرٌ سلبيٌّ، ينبغي
اتخاذ الأسباب في التخلّص منه، ومنها :
أ - الحرص على مشاهدة الناس، والحديث أحيانًا ارتجالًا، ولو
(١) العمدة لابن رُشيق: ٢٠٢/١.
(٢) العمدة: ٠٤٤/١
رأيت صعوبةً في البداية، وأخطاءً وتردّدًا، فاستمرارك على عدم الخروج
عمّا في الورقة، وعدم النظر للجمهور بجرأةٍ يُفقد السامعين الحماس
لكلامك، ويجعلك تستمر على الخوف والوجل من المنبر .
وقد صرّح لي بعض الخطباء الذين لهم سنوات في الخطابة،
ولكنهم لا يخرجون عمّا في الورقة ولا ينظرون للجمهور، بأنهم يجدون
الخوف والقلق عند كلّ خطبة، بل ويقول: إنني في كلّ خطبةٍ كأنني لأول
مرّةٍ أخطب، من الهم والوجل!
ب - شرب بعض الأشربة المهدّئة قبل الخطبة، كالنعناع ونحوه،
فله أثرٌ في تسكين القلق والخوف.
ج - توطين النفس على سماع النقد، والفرح بذلك؛ ليكون سُلّمًا
للتقدّم والإبداع، وعدم الخوف من الخطأ.
فالذي يستمر معه الخوف والقلق قد يكون من أعظم أسبابه خشية
وقوعه في الخطأ، ونفرته من النقد.
د - الحضور مُبكرًا، فلا شك أنّ الخطيب الذي يأتي مُسرعًا
ليتدارك الوقت سيثور نفسُه، ويضطرب فُؤاده، وينتابُه قلقٌ وحرج يدوم
حتى أثناء الخطبة .
٩ - زمن التحضير للخطبة يختلف حسب ثقافة وعلميّة الخطيب،
وعلى حسب المادة التي سيلقيها، فلا تخلو المادةُ من نوعين :
الأول: أنْ تكون علميّةً، كالمسائل الفقهية أو العقدية وتأصيلها ،
فهذه يجب أنْ تُعطى زمنًا يليق بمقامها، ولا ينبغي الاستهانة بها ،
وتحضيرها قبل الخطبة بساعات قليلة.
الثاني: وعظيةً أو اجتماعية ونحوها، فهذه لا بأس بتحضيرها ولو
يوم الجمعة.
ونصيحتي للمستجد في الخطابة - ممن لم يملك الخبرةَ الكافية،
والعمليّة الناضجة _: أنْ يستفيد في البداية مِن خطب مَن سبقه، ويكون
الذي يستفيد منه تتصف خطبه بثلاث صفات:
الأولى: أنْ تكون قصيرةً، حتى لا يشق عليه إلقاؤها .
الثانية: أنْ تكون سليمةً نحويًّا وعلميًّا .
الثالثة: أنْ تكون بعيدة عن التكلف لفظًا ومضمونًا .
ولا بأس مع مرور الأيام أنْ يُعَدِّل أو يزيد ما يراه مُناسبًا ، ثم
يُحاول بعد ذلك أنْ يكتب الخطبة بنفسه، مستفيدًا مِمَّن سبقه .
١٠ - تجنب الألفاظ التي فيها أوامر للسامعين دون المتحدّث،
مثل: افعلوا أو لا تفعلوا، واستعمل بدلها : لنفعل، ولنترك، ونحو ذلك،
فهذه الصيغة تُشعر السامعين بتواضعك، وبحبّك الخير لهم كما تُحبّه
لنفسِك، وأنك لست فوقهم لا دينًا ولا خُلُقًا .
١١ - لا تقلد خطيبًا مُعيّنًا في أُسلوبِه أو مادّته، فقد يُناسبه ما لا
يُناسبك، والتقليد يُفسد إبداعك ومواهبك، فاخطب حسب ما أعطاك
ربّك من قدرات ومواهب وعلم.
أما بالنسبة للمستجد على الخطابة، فلا بأس بأنْ يستفيد من غيره
أسلوبًا ومادّةً، ولكن ينبغي ألا يكون نسخةً منه، بل يجعله عونًا له على
الرقي بنفسه .
١٢ - لا تحزن لقلّة الحضور عندك، ولا تفرح بكثرتهم .
واعلم أنّ النفس ترغب في كثرة المستمعين والحاضرين، وخاصة
من أقاربك وأصدقائك، وربما سألت عن حضورهم، أو عاتبت - ولو
بقلبك - على عدم حضور أحدهم، فجاهد نفسك على التخلص من هذا
الداء، فعدم حضوره عندك لا يعني بأنك ضعيف، بل لأنه يجد الراحة
والفائدة عند الخطيب الآخر، أو لقربه من بيته، أو لأسبابٍ أخرى .
١٣ - عليك بالاهتمام بالخطبة تحضيرًا واسْتعدادًا، واحذر من أنْ
تُداوم على أخذ خطب غيرِك، فقد يُرخَّصُ لك في البداية، لكن لا عذر
لك بعد كثرة المراس والخبرة والتجربة .
والتحضير الجيد من ألذّ الأمور عند الخطباء، بل إنهم يتشوقون
ليوم الجمعة لطرح ما كتبوا وتعبوا عليه.
وأما المداومةُ على عدم التحضير، والاكتفاء بخطب الآخرين، ففيه
سلبيّاتٌ كثيرةٌ منها :
أولًا: أنها تُسبب ضعف الهمة، وخور العزيمة، ومهانة النفس،
حيث تكتفي بتقليد الآخرين، وتدفن إبداعاتك، وتقتل مواهبك.
ثانيًا : أنّها تُفقدك الحماس والنشاط واللذة، فتُصبح كأنها همٌّ تُريد
إزاحته عنك، ويُؤثر هذا على أُسلوبك وقبول الناس لك.
ثالثًا: أنّ الكثير من الناس يُحسُّون بأنّ الخطيب لم يُحضر الخطبة
بنفسِه، وإنما نقلها عن غيرِه، وذلك لاختلاف أسلوب ومادّة الخطبة عن
أسلوبه ومُسْتواه، فلا تكون للخطب قبولٌ واهتمام عندهم.
رابعًا: أنك لن تنتفع منها، فالعمل الذي لا يجتهد فيه صاحبه
تحضيرًا وإعدادًا سرعان ما يُنسى ويتلاشى.
فلذلك لن تتقدّم، ولن يزداد طموحُك، وتعظم همَّتُك، ويُنتفع من
علمك - إلا ما شاء اللّٰه -.
ولذلك انظر إلى الخطبة التي حضرتها جيّدًا، تجد أنك لن تنساها ،
ولو رجعت إليها بعد عشر سنوات، فإنك تعلمُ ما فيها، وكأنك ألقيتها قريبًا .
أما الخطب التي نقلتَها عن غيرك فسرعان ما تنساها، وجرب
ذلك، ارْجع إلى الخطبِ التي مضى عليها أربع أو خمس سنوات، ستجد
نفسك نسيتها أو تكاد تستذكر جزءًا يسيرًا مما جاء فيها .
ولن تنتفع بها أيضًا بجمع مادتها لتكون كتابًا يُنتفع به، أو تفتح لك
بعضُ العناوين فكرةً لِمُؤلَفٍ ينتفع الناس منه .
وكم كتابِ انتفع الناس منه كان سببُه خطبةَ ألقاها صاحبُها ، فكثيرٌ
من الكتب والمؤلّفات إنما هي خطبةٌ أعدّها إعدادًا جيّدًا فلاقت قبولًا
واسْتحسانًا، فجعلها مُؤلّفًا انتفع منه الكثير من الناس.
١٤ - حضِّر للخطبة وكأنك ستخرجها في كتاب، فخرَّج الأحاديث
وبيّن درجة صحّتها بالاستعانة بكلام بعض المحدثين، ووثق مراجع
المصادر التي رجعت إليها، واهتم بها نحويًّا وإملائيًّا ولغويًّا .
١٥ - اهتمّ بعلامات الوقف والترقيم من الفواصل ونحوها، واجعل
لك علاماتٍ خاصَّةً تقف عندها مُراعاةً لِنَفَسِك، حتى لا تُحرَج بكثرة
الوقوف عند أماكن غيرِ مُناسبة .
مثال ذلك: عالي الهمةِ يُرى منطلقًا بثقةٍ وقوةٍ وإقْدام نحو غايتِه التي
حدَّدَها على بصيرةٍ وعِلْم .
هذه الجملة قد تكون طويلةً على بعض الخطباء، فيصعب عليه
نطقها كلها بنفَسٍ واحد، فالأولى له أنْ يضع فاصلةً - ولو بخط يده -
على مكان يقف فيه مُراعاةً لِنَفَسِه .
فيفعل هكذا : عالي الهمةِ يُرى منطلقًا بثقةٍ وقوةٍ وإقْدام، نحو غايتِه
التي حدَّدَها على بصيرةٍ وعِلْم.
١٦ - نوّع طرح الموضوعات، ولا تقتصر على نمط واحد، كأنْ
تكون خطبك عن أحوال القلوب، أو عن أمور الأمة العامة، أو نحو
ذلك .
بل كن كثيرَ التنويع؛ لتبعث في نفوس الناس الشوق إلى خطبك .
١٧ - أولى الناس باكتساب مهارات وفنون الإلَقاء الخطيبُ، حيث