تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعدل والإنصاف مع المخالف، والثناء على ما فيه من خير، مع عدم المداهنة والمجاملة في بيان الحقّ بعدل ورفق ورحمة من أعظم سمات الصادق المخلص.

وخذ درسًا في الإنصاف والعدل:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ردّه على المبتدعة: من تدبر هذا كله وتأمله وتبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول، وأن هؤلاء خالفوا القرآن في أصول الدين: في دلائل المسائل، وفي نفس المسائل، خلافاً خالفوا به القرآن والإيمان، وخالفوا به صريح عقل الإنسان، وكانوا ‌في ‌قضاياهم التي يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان، وإن لم يكونوا متعمّدين الكذب بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان. ا.ه[116]

فهو مع شدّة إنكاره عليهم أنصفهم ولم يعتد عليهم ويتّهم نياتهم، بل برأهم من تعمّد الكذب، وإن كان خالفهم وردّ عليهم، فما أحوجنا إلى مثل هذا الإنصاف فيما بيننا.

وقد ذكر رحمه الله قاعدة عظيمة، جاء تقريرها والتأكيد عليها في الكتاب والسنة، وعمِل بها سلف الأمة من الصحابة وتابعيهم بإحسان، وهي أنه: "لا يجوز أن يُتَكلَّم في أحد إلا بعلم وعدل".[117]

ومعنى بعلم: أي بعلم بالشرع، وعلم بحال من يتكلّم فيه.

ومعنى بعدل: أي: بإنصاف، بحيث لا يقول فيه ما ليس فيه، ولا يُهْدر محاسنه وفضائله.

وقلّ من تكلّم في غيره بعلم وعدل، والسلامة لا يعدلها شيء، فمن سكت وسلم خيرٌ ممن تكلّم وأثم.

نسأل الله أن نلقاه ولم نظلم أحدًا من عباده بقول أو فعل.

فاحذر - يا طالب العلم- من التصنيفات والتحزبات, والدخول في الأمور السياسية وخاصةً عند العامة, واقْبل الحق ولو جاء من بغيض, ورُدَّ الباطل ولو جاء من حبيب.

والواجب عليك ألا تتحيَّزَ إلى جماعةٍ مُعينة، تُوالي وتُعادي لأجلها, بل خُذ من كلِّ جماعةٍ أحسنَ ما عندها، وحاول أن تُصلح ما وجدته من خطأ بقدر الإمكان.

قال ابن القيم رحمه الله: وَالْبَصِيرُ الصَّادِقُ: يَضْرِبُ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ بِسَهْمٍ، وَيُعَاشِرُ كُلَّ طَائِفَةٍ عَلَى أَحْسَنِ مَا مَعَهَا, وَلَا يَتَحَيَّزُ إِلَى طَائِفَةٍ وَيَنْأَى عَنِ الْأُخْرَى بِالْكُلِّيَّةِ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ, فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الصَّادِقِينَ, وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ كَامِنَةٌ فِي النُّفُوسِ.

«سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ قَائِلًا يَقُولُ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَآخَرٌ يَقُولُ: يَا لَلْأَنْصَارِ! فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟».

هَذَا، وَهُمَا اسْمَانِ شَرِيفَانِ, سَمَّاهُمُ اللَّهُ بِهِمَا فِي كِتَابِهِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ, وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنْ يَتَدَاعُوا بِــــ "الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ", وَهِيَ الدَّعْوَى الْجَامِعَةُ, بِخِلَافِ الْمُفَرَّقَةِ, كَـــ "الْفُلَانِيَّةِ وَالْفُلَانِيَّةِ".

وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَنِ السُّنَّةِ؟ فَقَالَ: مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ.

يَعْنِي: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمُ اسْمٌ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ سِوَاهَا.

فَمِنَ النَّاسِ: مَنْ يَتَقَيَّدُ بِلِبَاسٍ لَا يَلْبَسُ غَيْرَهُ، أَوْ بِزِيٍّ وَهَيْئَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، أَوْ عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يَتَعَبَّدُ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْهَا، أَوْ شَيْخٍ مُعَيَّنٍ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنِ الظَّفَرِ بِالْمَطْلُوبِ الْأَعْلَى, مَصْدُودُونَ عَنْهُ، قَدْ قَيَّدَتْهُمُ الْعَوَائِدُ وَالرُّسُومُ, وَالْأَوْضَاعُ وَالِاصْطِلَاحَاتُ, عَنْ تَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ, فَأَضْحَوْا عَنْهُمَا بِمَعْزِلٍ، وَمَنْزِلَتُهُمْ مِنْهَا أَبْعَدَ مَنْزِلٍ.

وَلَا يَذُوقُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَطَعْمَ الصِّدْقِ وَالْيَقِينِ، حَتَّى تَخْرُجَ الْجَاهِلِيَّةُ كُلُّهَا مِنْ قَلْبِهِ. ا.ه[118]

وقال رحمه الله: حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء:

أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك, فإنك تُعَاقب بتقليب القلب, وردِّ ما يَرِد عليك من الحق رأسًا, ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك, قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأنْ قلَّب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.

والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته, فإنك إن تهاونت به ثبَّطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبةً لك, قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبدا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ .

فمن سَلِم من هاتين الآفتين, والبليّتين العظيمتين فلْيَهْنِه السلامة. ا.ه[119]

وسُئل الإمامُ ابن بازٍ رحمه الله: يتساءل كثيرٌ من شباب الإسلام, عن حكم الانتماء للجماعات الإسلامية, والالتزامِ بمنهجِ جماعةٍ معينَّةٍ دون سواها؟

فأجاب بقوله: الواجب على كلِّ إنسانٍ أنْ يلتزم بالحق , قال الله عز وجل , وقال رسوله صلى الله عليه وسلم , وألا يلتزم بمنهجِ أيِّ جماعةٍ, وإذا انتسب إلى جماعةٍ ووافقهم على الحق, من دون غلوٍّ ولا تفريطٍ فلا بأس.

أما أن يلزمَ قولَهم ولا يحيدُ عنه فهذا لا يجوز, وعليه أن يدورَ مع الحق حيث دار, إن كان الحق مع هذه الجماعة أخذ به, وإن كان مع غيرهم أخذ به, يدور مع الحق, يُعين الجماعاتِ الأخرى في الحق, ولكن لا يلتزم بمذهبٍ معينٍ لا يحيد عنه ولو كان باطلا. ا.ه[120]

فالحق يُقبل من أيِّ أحد, لِكونه موافقاً للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه، ولهذا كان أهل السنة, يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر, عن الموالي منها أو المعادي.

قال ابن القيم رحمه الله: (فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان, ومع من كان، ولو كان مع من يُبغضه ويعاديه، وردَّ الباطل مع من كان, ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى اللهُ لما اختُلف فيه من الحق). ا.ه[121]

وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ومن العدل فيهم: قبول الحقِّ من أيِّ أحد, سواءً من أفرادٍ أو جماعات.

ولما دلَّ الشيطان أبا هريرة رضي الله عنه, إلى آية الكرسي, لتكون له حرزاً من الشيطان، وذلك مقابل فكِّه من الأسر، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدقك وهو كذوب)). رواه البخاري[122]

فليس هناك أكذب من الشيطان, ومع ذلك, قبل منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم كلامه هذا, وأخبر أنه صادقٌ فيه.

قال الأديب الطنطاويُّ رحمه الله في كلامه عن رحلته لمصر[123]: وأنا على طريقتي التي لزمتها عمري كلَّه, لم أدخل يوماً حزباً ، ولم أنتسب إلى جماعة ، ولا ربطت فكري بفكر غيري ، إلاَّ أن يكون الله ألزمني باتباع رأيه وإطاعة أمره ، من مبلِّغٍ حكم الله ، أو حاكم مسلم لا يأمر بما يخالف شرع الله ، أو أب ، أو استاذٍ يأمر بخير يحبه الله .

بل إنَّ المسلم يَسمع كلمة الحق من كل من ينطقه الله بها ، صغيراً كان أم كبيرا.

أنا أسير في الخط الذي أُريتُ أنه الطريق الصحيح ؛ فمن وجدُّته يمشي معي فيه أيَّدته وناصرته ، وإن حاد عنه ضالاً هديته, وإن كان متعمِّداً نصحته وزجرته. ا.هـ

واجعل من منهجك اتباع الدليل, لا اتباع طريقٍ وتبحث عن دليلٍ عليه, قال ابن الجوزي رحمه الله: "ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقًا، ويتطلب دليلها!". ا.ه[124]

واحذر من التعصب لشخصٍ بعينِه, تُوالي من والى, وتُعادي من عادى, فتقبل أقواله, وتُقدمه على غيره, بمجرد رأيه, لا لِمَا اسْتند من الأدلة على أقواله.

فإذا كان هو معذورًا لاجتهاده وبحثه عن الحق, فما عذرك أنت؟

وقد نقل ابن القيم رحمه الله عن كثيرٍ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أنهم أخطؤوا في اجتهادهم وفهمهم في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة, وعتق أم الولد بموت سيدها, ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة, وفي بعض مسائل الربا, وفي بعض نواقص الوضوء, وموجبات الغسل, وبعض مسائل الفرائض وغيرها.

فغيرهم من باب أولى, فلا يجوز تقليدِ أحدٍ تقليدًا مُطلقًا؛ لِمَا يعتريه من الخطأ والنسيان.

قال العلامة محمد رشيد رضا: فَقَدْ رَأَيْتَ أَنَّ أَكَابِرَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ, الَّذِينَ كَانُوا أَوْسَعَ عِلْمًا وَفَهْمًا لِلنُّصُوصِ مِنْ أُولَئِكَ الْفُقَهَاءِ, بِشَهَادَةِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ, قَدْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا هُوَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوُضُوحِ أَوْ أَشَدُّ, وَالْبَشَرُ عُرْضَةٌ لِلْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ، وَإِنَّ مَنْ أَنْهَضَ الْحُجَجَ عَلَى بُطْلَانِ الْتِزَامِ تَقْلِيدِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ, مَا ظَهَرَ كَالشَّمْسِ, مِنْ خَطَأِ أَكَابِرِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، إِمَّا بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَإِمَّا بِتَنَكُّبِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ. ا.ه[125]

ولذلك نرى كثيرًا من العلماء لهم قولان في كثير من المسائل, بل بعضهم له أربعة أقوال في مسألة واحدة, كالإمام أحمد رحمه الله, والشافعي كانت له اجتهاداتٌ قبل أن يرحل إلى مصر, فلما ذهب هناك تراجع عن كثير منها.

فإذا كان هؤلاء الفطاحلة من العلماء يجتهدون في قولٍ ثم يتراجعون عنه, أو يُغيّرونه, فلا يجوز لأتباعهم أنْ يتعصّبوا لأقوالهم, ويُلزموا الناس وأنفسهم الأخذ بها, إلا إذا كانت مبنيّةً على دليل شرعيٍّ صحيح صريح.

ولقد رأينا من يجعل قول الشيخ الفلاني حجةً, بل ويجعل قدح شيخِه في أحد العلماء أو الدعاة مبيحًا له هو أيضًا في القدح والسب, وتنفير الناس منْ هذا العالم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فإذا كان الشيخُ معذورًا لاجتهاده وبحثه عن الحق, فما عذر المقلّد؟

وهذا من التعصب المذموم, وهو لا يجوز, قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "لا يجوز لأحد أن يرجح قولا على قولٍ بغير دليل ، ولا يتعصب لقولٍ على قول, ولا قائلٍ على قائلٍ بغير حجة". ا.ه[126]

وقال رحمه الله تعالى: "أما التقليد الباطل المذموم فهو: قبول قول الغير بلا حجة". ا.ه[127]

فلا يجوز لأحدٍ أنْ يُنافح عن قول شيخِه إلا إذا علم صحَّةَ وقوَّةَ الدليل الذي استند عليه شيخُه, فيُنافح عن الدليل الصحيح السالمِ من الْمُعارض الأقوى.

وإنّ من أعظم الْمُسلّمات في دين الإسلام: تقديمَ الكتاب والسُّنَّةِ على قولِ كلّ أحد, مهما عظم علمُه وعلتْ مكانتُه, قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

فطاعة الله تعالى وطاعةُ رسولِه صلى الله عليه وسلَّم مُقدَّمَةٌ على طاعة كلِّ أحد، حتى وإن كان خيرَ هذه الأمة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما, كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء, أقول: قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر؟

فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس, الذين يعارضون الكتابَ والسنة الثابتة، والحجة الواضحة, بقولِ مَنْ دُونهما علمًا وفضلاً.

ولذلك كان السلفُ الصالحُ رحمهم الله, ينهون عن التعصب لشخصٍ بعينِه.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: (النفس مشحونة بحب العلوِّ والرياسة، بحسب إمكانها، فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده: ما يهواه ويريده... وإن كان عالِمًا -أو شيخًا- أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره: حتى لو كانا يقرآن كتابًا واحدًا كالقرآن، أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها، كالصلوات الخمس. فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله، والاقتداء به: أكثر من غيره، وربما أبغض نظيره وأتباعه حسدًا وبغيًا، كما فعلت اليهود...). ا.ه[128]

تأمل قوله: "فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه"! كم هو منطبقٌ على كثيرٍ من أهل هذا العصر, فقد رأينا من يُحب ويُوالي فلانًا لأنه على منهجه ورأيه, ويُعادي ويُبغض فلانًا لأنه لا يسير على منهجه ورأيه, ولو كان موافقًا له في أصل اعتقاده ودينه ومذهبه.

وقال رحمه الله: (الحب لغير الله كحب النصارى للمسيح، وحب اليهود لموسى، وحب الرافضة لعلي، وحب الغلاة لشيوخهم، وأئمتهم مثل من يوالي شيخًا أو إمامًا وينفر عن نظيره، وهما متقاربان، أو متساويان في الرتبة، فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم، وحال أهل العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد: الذين يوالون الشيوخ والأئمة دون البعض, وإنما المؤمن من يُوالي جميع أهل الإيمان). ا.ه [129]

تأمل قوله: "وإنما المؤمن من يُوالي جميع أهل الإيمان" أي أن المؤمن حقًّا, الذي يُوالي جميع المؤمنين, ولا يشتغل بتصنيفهم والقدح في بعضهم, بل يعذر المخطئ, ويُثني على المصيب.

وقال رحمه الله: فكيف يجوز لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى؛ بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه، وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله, وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضى الله به ورسوله؛ وأن يكون المسلمون يدًا واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة, ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286]، وثبت في الصحيح أن الله قال: «فعلت». ا.ه [130]

تأمل قوله: "ليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا", أي: وليس كل من أخطأ وله سابقةُ خيرٍ يكون من أهل البدع والأهواء, ولا يلزم أن يكون من الجماعة الفلانيّة, أو الأحزاب الضالة.

كم سمعنا في بعض المجالس من يتّهم الدَّاعيةَ والشيخَ الفلانيّ, بأنّه ينتمي لجماعةٍ مُعيّنة, أو حزبٍ مُعيّن, لأنّ له أقوالاً قد يكون أخطأ فيها, وهي مغمورةٌ في بحار حسناته وفضائله.

وكفى بالمرء نُبلاً أنْ تُعدّ معايبُه.

فهل يعني ذلك بأنّ يُستباح عرضُه, وتُهدَرَ كرامتُه, ويُعادى ولا يُوالى وهو من جماعة المسلمين؟ من الذي أخرجه من جماعة المسلمين الذين تجب محبّتُهم ومُوالَاتُهم؟! مَن الذي أخرجه من دائرة الإسلام الواسعة إلى دائرة الجماعات الضيّقة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟

ولا شك أنّ هذا من إيذاءِ المؤمنين, وقد توعّد ربنا سبحانه وتعالى من يُؤذي المؤمنين بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. [الأحزاب: 58]

فكيف يستهين هؤلاء بأعراض المسلمين بهذه السهولة, فأعراضُهُم ليستْ كلأً مُباحًا, فاتق الله يا من تَتَّهِمُ دُعاتنَا ومشايخنا وخطباءنا بادّعاءاتٍ باطلةٍ, وإياك أنْ تُفرّق جمعنا, ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.

ومِن أعظم أسباب جرأة بعض العوام وغيرِهم على الدُّعَاة والمشايخ, تقليدُهم لبعض المشايخ القادحين في هؤلاء, فقد يكون هذا الشيخ معذورًا, وأمَّا هو فما عذره؟

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته، ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يُوالي كل من كان من أهل الإيمان، ومن عُرِفَ منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم، ولا يخص أحدًا بمزيد موالاة، إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقدم من قدم الله تعالى ورسوله عليه، ويفضل من فضله الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي؛ ولا أسود على أبيض؛ ولا أبيض على أسود؛ إلا بالتقوى»).[131]

وقال رحمه الله: وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، ويوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون). ا.ه[132]

تأمل هذا الكلام الثمين, فهو يُقرر قاعدتين عظيمين:

القاعدة الأولى: أنه لا يجوز لأحدٍ أنْ ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي - صلى الله عليه وسلم, فلا يجوز له أنْ يجعل الشيخ الفلاني هو الحق, ومن عداه أو خالفه في بعض آرائه على الباطل.

القاعدة الثانية: أنه لا يجوز لأحدٍ أنْ ينصب للأمة كلامًا يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة.

فكثيرًا ما نسمع من الجهال أنْ الشيخ الفلاني قال كذا, وقال عن فلانٍ كذا, وتُجعل أقوالُه حجةً على غيرِه, ولو كان غيرُه مثله في العلم والدين.

فلسان حاله يقول: كلام الشيخ حجةٌ ونصٌّ لا يجوز مُخالفتُه.

بل ويرى ذلك مبرِّرًا له في القدح في أعراض من يُخالف قوله, وغيبتهم والطعنِ في أعراضِهم, ففرقوا الأمة, وشقوا صفوف المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الظيم.

فعلى كل مسلم أنْ يتقيَ الله تعالى في أقوالِه وأفعالِه, ويسعى إلى جمعِ الكلمةِ ما اسْتطاع إلى ذلك سبيلاً.

جعلنا الله مفاتيح للخير مغاليق للشر, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

وينبغي أنْ يُوطن طالب العلم نفسه على قبول الحق والنقد, فلن تستقيم حالك ما لم تتقبل ذلك بصدر رحب.

فإنَّ من يُخْبِرك عن عيبك: مُحسنٌ إليك, ومن يُنبِّهك على أخطائك: هو مُتفضِّلٌ عليك, وأين نَجِدُ في هذا الزمان من يفعل هذا؟ فهذا هو الناصح حقًّا.

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي), وكان يسأل سلمان الفارسيَّ رضي الله عنه عن عيوبه، فلما قدم عليه قال: ما الذي بلغك عني مِمَّا تكرهه؟.

فكلُّ مَن كان أرجحَ عقلا, وأقوى ديناً: كان أحرصَ الناس على معرفة عيوبه, وأحبَّ الناس إليه: مَن يُنبهه على تصرُّفاته وسلوكه.

قيل لبعض العلماء - وقد اعتزل الناس وكان مُنطويًا عنهم-: لِمَ امتنعت عن المخالطة؟ فقال: وماذا أصنع بأقوامٍ يُخْفون عني عيوبي.

وقد يمنع بعض طلاب العلم من قبول النقد والرد عليه ما هو فيه من المنصب والعلم والمكانة, وهذه مصيبةٌ عظيمةٌ, قال ابن الجوزي رحمه الله: "أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه، فظنه كافيًا؛ استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا له من الاستفادة، والمذاكرة تبين له خطأه، وربما كان معظمًا في النفوس، فلم يتجاسر على الرد عليه، ولو أنه أظهر الاستفادة، لأهديت إليه مساوئه، فعاد عنها". ا.ه[133]

***

السادس

طالب العلم المخلص يجب عليه أنْ يَحذر من الوقوع في أعراض العلماء والمصلحين, وقد جعلَ الله لحومَ العلماءِ مَسْمُومة, وأعراضَهم محفوظةً مصونةً, ومن علامةِ محبة الله للعبد: أنْ يكون محبوبًا بين المسلمين, مقبولاً بين عباد الله المؤمنين, ومثل هذا لا تجوز مُعاداته.

وثبت في الصحيحين[134], أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عليه بجنازةٍ فأَثْنَوا عليها خيرًا، فقال: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ"، ومُرَّ عليه بجنازةٍ فأثنوا عليها شَرًّا فقال: "وَجبتْ وَجَبَتْ"، قالوا: يا رسولَ الله! ما قولك وَجَبتْ؟ قال: "هذه الجنازة أثنيتُم عليها خيرًا فقلتُ وَجَبَتْ لها الجَنَّةُ، وهذه الجنازة أثنيتُم عليها شَرًّا فقلتُ وَجَبَتْ لها النَّارُ، أنتُم شُهَدَاءُ الله في الأرض".

آداب طالب العلم وسبل بنائه ورسوخه · الصفحة ٧٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

آداب طالب العلم وسبل بنائه ورسوخهص ٧٠