المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الأمين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:
فمن المعلوم ما للعلم الشرعي من مكانة عظيمة, ومنزلة شريفة, يكفي في شرفهِ ما قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ العِلْمِ ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ. رواه أحمد والترمذي وغيرهما, وصححه الألباني وغيره.
قال ابن جماعة رحمه الله: العلماء ورثة الأنبياء, وحسبك هذه الدرجة مجدًا وفخرًا, وبهذه الرتبة شرفًا وذكرًا, فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة, فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة. ا.ه[1]
والعلماء هم سفراء رب العالمين, ومنزلة سفير البشر كبيرة, فكيف بسفير رب البشر.
وهم الموقعون عن الله تعالى.
والعلم أمانة عظيمة، ومسؤولية جليلة كريمة، تُبلَّغ بها رسالةُ الله، وتُقَامُ بها الحجة على عباد الله، فكم هَدى الله عز وجل بالعلم من الضلالات، وكم أخرج به من الظلمات.
وقد امتنّ الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم، وشرّفه وكرّمه به، فكان به إمامَ العلماء الربّانيّين وقدوتهم وهاديهم، صلوات الله وسلامه عليه, وصدق الله إذ يقول: ((وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)) [النساء:113].
العلم بصيرة؛ لأن العالم يُبصِر به الحق فيتبعه، ويُبصِر به الباطل فيجتنبه, قال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)) [يوسف:108].
العلم بيّنةٌ تنكشف بها الحقائق، ويَخْرسُ عند دلائلها كل متكلم وناطق, قال تعالى: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)) [الأنعام:57].
العلم فاتحة كل خير، وأساس كل طاعة وبر، فلا طاعة إلا بالعلم، وكلما أطاع العبدُ ربَّه على بصيرة وعِلم، كانت طاعته أرجى للقبول من الله سبحانه وتعالى..
الْعِلْمُ حَاكِمٌ لَا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، قال الشاطبي رحمه الله تعالى: "بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِعَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ انْحَصَرَتْ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يُفِيدُ الْعَمَلَ, أَوْ يُصَوِّبُ نَحْوَهُ, لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ, وَلَا تَجِدُ فِي الْعَمَلِ أَبَدًا مَا هُوَ حَاكِمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَإِلَّا انْقَلَبَ كَوْنُهَا حَاكِمَةً إِلَى كَوْنِهَا مَحْكُومًا عَلَيْهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ". ا.ه[2]
وفي هذا أعظم ردّ على من يقول: لا يُفتي في الجهاد إلا المجاهدون لا القاعدون!
قال شيخ الإسلام رحمه الله: العالمُ يَعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلا, والجاهلُ لا يَعرف العالم؛ لأنه لم يكن عالِمًا. ا.ه[3]
والحق أيًّا كان هو مقصد لكل ذي عقل راجح وفطرة سوية، ويتجلى الحق ويعظم قدره في قلب الإنسان بقدر إحاطته وعلمه به، فأهل العلوم التجريبية مثلاً - كالطب وأهل العلم الرصدي كالفلك ونحوهم – يرون الحقائق في بعض أجزاء تخصصاتهم - وهم ما بين مقلٍّ ومستكثر- أعظم وأوضح مما يراه غيرهم .
وكل مؤمن بالله تعالى يرى شعاع الحق ونوره الذي جاء من عند الله على قدر قوة إيمانه ودرجة علمه، فرؤية أهل العلم الراسخين منهم للحق أعظم وأجلى ممن هم أقل منهم علماً، كما قال الله تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق﴾
ولذلك بلَغ الموفقون منهم مرتبة اليقين، وامتلأت قلوبهم بمحبة الله وتعظيمه ورجائه وخوفه والتوكل عليه والتمسك بشرعه، وبذلوا أغلى ما يملكون لأجله، ولو كان فيه هلاكهم وذهاب أموالهم.
وكل مؤمن عنده قدْرٌ من محبة الله، وتعظيمه وخشيته ورجائه وخوفه والتوكل عليه، والغيرة على دينه، ولكنّ أهل العلم الموفّقين ظفروا بالقدْر الأعظم منها، وبلغوا الدرجات العالية فيها.
فيا لسعادتهم، ويا لشرفهم، ويا لعلوّ قدرهم، ويا لطيب عيشهم.
هل يستوي العلماءُ والجهالُ في ... فضلٍ أمِ الظَّلْماءُ كالأنوار؟
ولهذا نفى الله التَّسْوِيَة بَينهم وَبَين غَيرهم كَمَا نفى التَّسْوِيَة بَين أصحاب الْجنَّة وأصحاب النَّار، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل هَل يستوي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ؟﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يستوي أصحاب النَّار وأصحاب الْجنَّة﴾ وَهَذَا يدل على غَايَة فَضلهمْ وشرفهم.
ورفع الله شأنهم فقال: ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾.
واسْتشْهد سُبْحَانَهُ بأولي الْعلم على أجلّ مشهود عَلَيْهِ وهو توحيده فَقَالَ: ﴿شهد الله أنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ﴾.
قال ابن القيم رحمه الله: وَهَذَا يدل على فضل الْعلم وأهله من وُجُوه:
أحدها: استشهادهم دون غَيرهم من الْبشر.
وَالثَّانِي: اقتران شَهَادَتهم بِشَهَادَتِهِ.
وَالثَّالِث: اقترانها بِشَهَادَة مَلَائكَته.
وَالرَّابِع: أن فِي ضمن هَذَا تزكيتهم وتعديلهم؛ فإن الله لَا يستشهد من خلقه إلا الْعُدُول. ا.ه[4]
فحري بنا أن نزيد من اهتمامنا بتحصيل العلم النافع، حتى نصل إلى هذه المرتبة العظيمة، والمنزلة الشريفة.
وطلبُ العلم والاستزادة منه ليس له عمر معدود ولا سقف محدود ، والله تعالى إنما خلقنا لنعبده على بصيرة، وكيف نعبده سبحانه وتعالى كما يُحبُّ إلا بالعلم الذي أنزله في كتابه، وأوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا يخفى أن ثمرة العلم العمل، فالعلماء العاملون هم العلماء الربانيون.
واعلم أنك ستنال بالعلم الشرعي أطيب العيش في الدنيا والآخرة إذا اقترن طلبك للعلم بالإخلاص لله وحده والتلقّي عن علماء الحق الراسخين، فهل هناك في الوجود أشرف من طريق تكسب به أطيب وأهنأ العيش في الدنيا والآخرة؟
والعلم كالغيث للقلوب، يُحْيي الله به الأفئدة بعد موتها، ويوقظها بعد غفلتها، وينبهها من رقدتها.
ووالله لو يعلم الناس مدى اللذةِ والرفعةِ والشرفِ الذي سينالونه إنْ تعلموا العلم من أصوله وصبروا عليه: لتَزاحَمُوا الرُّكَبَ عِند العُلَماء, وأدامُوا النَّظرَ والبحثَ في كتبِ الفضلاء.
رأى معاوية رضي الله عنه الناس يسألون ابن عمر رضي الله عنهما عن المناسك وهو يفتيهم فقال : هذا واللّه الشرف.[5]
وهذا عطاء بن أبي رباحٍ رحمه الله يدخل على أمير المؤمين سليمان بن عبد الملك فيعظُه وينصحه, فلمّا نَهَضَ ووَلَّى قَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا وَاللهِ الشَّرَفُ لَا شَرَفُنَا![6]
ولكنَّ العلمَ الشّرعيّ النافعَ عزيزٌ وشريفٌ لا يُوفَّقُ له إلا مَن أراد الله تشريفَه ورفعَتَه في الدنيا والآخرة, وصدق الله تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة:11].
وصدق رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».[7]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: مَفْهُوم الْحَدِيث أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّه فِي الدِّين, أَيْ : يَتَعَلَّم قَوَاعِد الْإِسْلَام وَمَا يَتَّصِل بِهَا مِنْ الْفُرُوع: فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْر. ا.ه[8]
وقال ابن بازٍ رحمه الله: وهذا يدل على أن الذي لا يتفقه في الدين ما أراد الله به خيرا نسأل الله العافية. ا.ه[9]
قال أبو هلال العسكري رحمه الله: "فإذا كنت أيها الأخ ترغبُ في سُمُو القدْرِ ، ونَباهةِ الذِكْرِ ، وارتفاعِ المنزلةِ بين الخلقِ ، وتَلْتَمِسُ عِزاً لا تثلمه اللياليَ والأيامُ ، ولا تتحيّفه الدهورُ والأعوامُ ، وهَيْبةً بغيِر سُلطانٍ ، وغِنىً بلا مالٍ ، ومَنَعَةً بغيرِ سلاحٍ ، وعلاءً من غيرِ عَشيرةٍ ، وأعْواناً بغيِر أجرٍ ، وجُنْداً بلا دِيوانٍ وفَرْض ، فعليك بالعلمِ فاطلبهُ في مظانِّه ، تأتِكَ المنافِعُ عفوا ، وتلق ما يُعْتَمَدُ منها صَفْواً، واجتهدْ في تحصيلهِ لياليَ قلائلَ ، ثم تَذَوّقْ حلاوةَ الكرامةِ مدةَ عُمُرِكِ ، وتَمَتّعْ بلذةِ الشرفِ فيه بقيةَ أيامِك ، واسْتَبْقِ لنفسك الذِكْرَ به بعد وفاتك". ا.ه[10]
والعلماءُ هم الذين يخشون الله حقَّ خشيته, ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:28].
ولم يأمر الله تعالى نبيه أن يزداد من شيءٍ سوى العلم فقال عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وقل رَبّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
قال الحافظ رحمه الله: قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ﴿رَبّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وَاضِح الدَّلَالَة فِي فَضْل الْعِلْم ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَأْمُر نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَلَبِ الِازْدِيَاد مِنْ شَيْء إِلَّا مِنْ الْعِلْم ، وَالْمُرَاد بِالْعِلْمِ الْعِلْم الشَّرْعِيّ الَّذِي يُفِيد مَعْرِفَة مَا يَجِب عَلَى الْمُكَلَّف مِنْ أَمْر عِبَادَاته وَمُعَامَلَاته ، وَالْعِلْم بِاَللَّهِ وَصِفَاته ، وَمَا يَجِب لَهُ مِنْ الْقِيَام بِأَمْرِهِ ، وَتَنْزِيهه عَنْ النَّقَائِص ، وَمَدَار ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِير وَالْحَدِيث وَالْفِقْه. ا.ه [11]
وطلب العلم ونشره من أعظم الأعمال عند الله تعالى, قال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ قال العلامةُ محمدُ رشيد رضا رحمه الله تعالى: وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِتَعْلِيمِهِ فِي مَوَاطِنِ الْإِقَامَةِ وَتَفْقِيهِ النَّاسِ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ حَالُهُمْ ، وَيَكُونُونَ بِهِ هُدَاةً لِغَيْرِهِمْ ، وَأَنَّ الْمُتَخَصِّصِينَ لِهَذَا التَّفَقُّهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ ، لَا يَقِلُّونَ فِي الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللهِ عَنِ الْمُجَاهِدِينَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ . بَلْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الدِّفَاعُ فَرْضًا عَيْنِيًّا ، وَالدَّلَائِلُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ. ا.ه[12]
بل إنّ تعلُّمَه وتعليمَه بإخلاص وصدق يبلغ بصاحبه درجة الصديقين! قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَعَلَّمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ كَانَ صِدِّيقًا. ا.ه[13]
وقد تعلَّم الصحابة الكرام - رضيَ الله عنهم - من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثمَّ علَّموا التَّابعينَ، وعلَّم التَّابعون أتباعَ التَّابعين، وحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلفٍ عُدُولُه، فنَفَوْا عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ الْمُبطلِين، وتأويل الجاهلين، وما بلغوا ذلك إلا بالصبر والْمُثابرة, والهمَّةِ العالية, والسَّيْر في البلاد، وصبرٍ كصبر الجماد، وتحمِّل المشاق, وهجرِ الراحة, وكابدوا المشاقَّ الكبيرة، وصارعوا الأهوال العظيمة، ولسانُ حالهم:
دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا ... جَهْدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَه الأُزُرَا
فَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ ... وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ صَبَرَا
لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ ... لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا
واعلم أنّ العلم من أعظم أسباب الثبات, فالانتكاسة في العلماء وطلاب العلم نادرةٌ جدًّا بخلاف غيرهم من العباد والصالحين, وذلك أنّ طالب العلم يسير على بصيرةٍ وبيّنة, فلا يتمكن الشيطان من اسْتدراجه بخلاف العاميّ, فقد يجتهد في عملٍ يكون سببَ هلاكه وانتكاستِه.
وطالب العلم يجتنب المعصية خوفًا من الله تعالى, ثم خوفًا من ذهاب علمه, بخلاف غيرهِ فربما اجترأ على المعصية عازمًا على أنْ يتوب بعدها.
والعلم الصحيح يحجز صاحبه عن المعصية والهوى ولا بدّ, قال الشاطبي رحمه الله تعالى: " قَرَنَ -تعالى- الْعُلَمَاءَ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 18] .
فَشَهَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَفْقَ عِلْمِهِ ظَاهِرَةُ التَّوَافُقِ؛ إِذِ التَّخَالُفُ مُحال، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمُوا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأُولُو الْعِلْمِ أَيْضًا كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ حُفظوا بِالْعِلْمِ". ا.ه[14]
ثم ذكر رحمه الله تعالى "أَنَّ الرُّسُوخَ فِي العلم يأبى أَنْ يُخَالِفَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا صَارَ كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لَا يَتَصَرَّفُ صَاحِبُهُ إِلَّا عَلَى وَفْقِهِ اعْتِيَادًا، فَإِنْ تَخَلَّفَ؛ فعلى أحد ثلاثة أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: مُجَرَّدُ الْعِنَادِ، فَقَدْ يُخالف فِيهِ مُقْتَضَى الطَّبْعِ الْجِبِلِّي؛ فَغَيْرُهُ أَوْلَى..
وَالْغَالِبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا لِغَلَبَةِ هَوًى، مِنْ حُبِّ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يَكُونُ وَصْفُ الْهَوَى قَدْ غَمَرَ الْقَلْبَ، حَتَّى لَا يَعْرِفَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرَ مُنْكَرًا.
وَالثَّانِي: الْفَلَتَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْغَفَلَاتِ الَّتِي لَا يَنْجُو مِنْهَا الْبَشَرُ..
وَالثَّالِثُ: كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ؛ فَلَمْ يَصِرِ الْعِلْمُ لَهُ وَصْفًا، أَوْ كَالْوَصْفِ مَعَ عَدِّهِ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى غَلَطٍ فِي اعْتِقَادِ الْعَالِمِ فِي نَفْسِهِ، أَوِ اعْتِقَادِ غَيْرِهِ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [الْقَصَصِ: 50]".[15]
وطلب العلم ضربٌ من ضروب الجهادِ في سبيل الله تعالى, قال معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةً وَطَلَبَهُ عِبَادَةً، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً يُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ».[16]
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فجعل البحث عن العلم من الجهاد في سبيل الله. ا.ه[17]
وطلبُ العلمِ لذةٌ لا تُعادلها لذة, وسعادةٌ لا تُعادلها سعادة, وسير العلماء أكبر شاهد على ذلك.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "لاريب أن لذة العلم أعظم اللذات". ا.ه[18]
فلذات الدنيا بأكملها من رئاسةٍ وأموالٍ وأولادٍ في كفة، والعلم الشرعي المؤصل في كفة أخرى راجحة.
وقد قلت في ذلك:
يا لذةً بين كُتْب العلم أعشقها ... لا شيءَ يعدلها مَالٌ ولا سَمَرُ
هي الشفاءُ لأمراضٍ تُؤرّقني ... وهْي الأنيس إذا ما أقبلَ القَمَرُ
بها كْسَبْتُ عقولاً للورى ذهبوا ... أجسادُهم فنيتْ والعلمُ مُسْتَطَرُ
تُعطي الهناءَ بلا مَيْنٍ ولا كدَرٍ ... ولا جدالٍ كما قد يفعلُ البشَرُ
وما بِها مع طويلِ الْمُكثِ أيُّ أذىً ... ولا مَلالٌ ولا عَتْبٌ ولا ضَجَرُ
ماذا اسْتَفَادَ الذي جاب القِفار ومَنْ ... لها مع الصَّحْبِ إذ أوْقاتُهُمْ هَدَرُ
والعُمْرُ ليس له مِن فوتِه عِوَضٌ ... وبئْسَ عُمْرٌ فنى وما له أثَرُ
أقْبِلْ على العلم وابْحَثْ عن مجالسِهِ ... فالعلم عزٌّ ومجدٌ كلُّهُ عِبَرُ
كم عالمٍ كان قبل العلم مُمْتهنًا ... فإذ به عَلَمٌ كالمزنِ يَنْهَمِرُ
وطالب العلم الجادّ بين جنَّتين:
الجنة الأولى: جنة المكتبة, التي يتعلّم فيها شرع الله، ويأنس فيها بالتنزه بين رياض العلم المزهرة, فتنمّي عقله, وتُنير بصيرته.
ويعيش فيها أعظم وألذ من عيش الملوك وأنباء الملوك في قصورهم، ولذةُ النظر إلى كتب العلم وأسفار الكتب ألذّ إليه من النظر إلى الرياض النّضرة, والأنهار الجارية, وتذوّقُ طعم العلوم النافعة أحلى في قلبه من طعم لذيذ الطعام والشراب.
وهناك من تقاعد مبكرًا – مع أنّ ماله سينقص كثيرًا- لأجل الاستمتاع بمكتبته والأنس بمطالعة كتبه.
وهناك من انتقل من وظيفةٍ يعمل فيها كثيرًا لكنه يجني منها مالاً كثيرًا إلى وظيفة أقلّ شغلاً وأقل مالاً لأجل إشباع نهْمته من العلم والقراءة.
الجنة الثانية: جنة العبادة, حيث يأنس فيها بربّه ومناجاته, فينشرح صدره, وتحيا روحه.
فسبحان من أوجد في هذه الحياة جنةً طيّبة حلوة نضرة، هي جنة معرفته والقرب منه، والالتجاء إليه، ومحبته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وذكره، ودعائه، والشكوى إليه، قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾.
قال ابن القيم رحمه الله: الحياة الطيبة هي حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبّته، والإنابة إليه، والتّوكُّل عليه، فإنّه لا حياةَ أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيمَ فوق نعيمه إلّا نعيم الجنّة، كما كان بعض العارفين يقول: إنّه لتمرُّ بي أوقاتٌ أقول فيها إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيشٍ طيِّبٍ.
وقال غيره: إنّه لَتَمرُّ بالقلب أوقاتٌ يَرقُص فيها طربًا.
وإذا كانت حياة القلب حياةً طيِّبةً تبعتْه حياة الجوارح. ا.ه[19]
فهو بين غذاء العقل والروح, وجنة القراءة والعبادة, فمن أسعد منه؟
ولَمَّا كان العلم بهذه المنزلةِ الشريفة, والمكانة السامية, كان لزامًا على كلِّ من أراد نيله أنْ يتأدب بآدابه, ويتخذ الأسباب الصحيحةَ للدخول من أبوابه, ومن أجل ذلك كتبتُ ما يسَّر الله في هذا الموضوع في هذه الورقاتِ التي بين يديك, واجتهدْتُ فيها حسب الوسع والطاقة, أسأل الله تعالى أنْ ينفع بها إخواني المسلمين وطلاب العلم خصوصًا, وقد بيَّنْتُ أنه لابدّ لبناءِ طالب العلم من العنايةِ التامّةِ بسبعةِ أمورٍ أساسيَّةٍ:
1- القلب والجوارح والجسم.
2- الأخلاق والأدب مع الآخرين.
3- العملُ بالعِلْمِ.
4- الدعوةُ إلى الله تعالى ونشرُ العلم
5- نَبْذُ التعصب والتحزُّب, وقبولُ الحقّ من أي أحد.
6- حفظ اللسان, وتجنُّبُ القدح في أهل العلم.
7- المنهجية الصحيحةُ في الطلب, وذلك بالعناية بثلاثة أمور:
الأول: العناية بالشيخ.
الثاني: العناية بالكتاب.
الثالث: العناية بالهدف والخطة وتنظيم الوقت.
وسأتناولُها بالتفصيل والتوضيح- بإذن الله تعالى-
وبهذا يتبيَّنُ الخطأُ الفادح لدى كثيرٍ من طلاب العلم الذين يبدؤون طلب العلم بحضور الدروس العلميّة, والقراءةِ والبحث, قبل أنْ يتأدَّبوا بهذه الآداب, وقبل أنْ يعرفوا الطريقة الصحيحة في الطلب, فتضيع عليهم الأعمار دون تحصيل العلم النافع الْمُثمر.
مع أنهم على خيرٍ إنْ شاء الله حسب نيّاتهم, ولكنّ الأكمل لهم أنْ يعتنوا بآداب طالب العلم؛ ليجتمع لهم الإخلاصُ لله في الطلب, وصوابُ طريقةِ الطلب؛ فتُثمرَ العلماءَ الربّانيّين الذين يَهْدون الأُمّةَ إلى سبيل الحقّ ويذُبُّون عنه.
وأنبه على أنّ الله منّ علي ووفقني بتأليف كتاب بعنوان: "صناعة طالب علمٍ ماهر"، حيث تناولت مواضيع هامّة جدًّا تخصّ طالب العلم، ومن أهمها: تجارب وقواعد ونصائح تُعين على اتقان وتحصيل مهارة القراءة الجادّة المثمرة، والكتابة النافعة.
أسْأل الله تعالى أنْ ينفعَ بِمَا كتبتُ وأنْ يغفر لي الخطأ, وأنْ يُضاعف الأجر, وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد.
وأتقدم بالشكر الجزيل لدار الحجاز, التي رأيت منها التعامل الحسن, والأمانة والإتقان, وهي تقوم بدور كبير في نشر ما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم, ويعتنون بالكتب التي تقوم على منهج السلف الصالح.
وأشكر كلّ من ساهم في مراجعة هذا الكتاب, فجزاهم الله خيرًا وبارك فيهم.
أحمد بن ناصر الطيار
خطيب جامع/ عبد الله بن نوفل بالزلفي
والداعي إلى الله في وزارة الشؤون الإسلامية.
البريد الإلكتروني:
ahmed0411@gmail.com
رقم الجوال: 0503421866
***
الأول